تخطي إلى المحتوى الرئيسي

من وحي القرآن — صفحة 205

مساهمون:

ص٢٠٥
وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَما تَعْمَلُونَ
فأنتم مخلوقون للّه ، كما أن العناصر التي تتألف منها الأصنام المعبودة لكم ، مخلوقة له ، فكيف تنحرفون عن عبادة اللَّه وتعبدون غيره ؟ لقد قال لهم كل هذا الكلام ، بعد أن ثار الجدل بينه وبينهم ، واكتشفوا أنه الفاعل ليدافع عن موقفه ، فهو لم يضرب رؤوس الآلهة ، ليثوروا بهذه الطريقة ، بل ضرب رؤوس أحجار جامدة مصنوعة للإنسان في أشكال معينة .
قالُوا ابْنُوا لَهُ بُنْياناً
وأوقدوا في داخله النار ،
فَأَلْقُوهُ فِي الْجَحِيمِ
لأنهم لم يستطيعوا مقارعة الحجة بالحجة ، فعمدوا إلى استعمال القوّة ضده كما يفعل العاجزون عن المواجهة الفكرية .
فَأَرادُوا بِهِ كَيْداً
ليقتلوه ويرتاحوا من معارضته ودعوته التغييرية ،
فَجَعَلْناهُمُ الْأَسْفَلِينَ
حيث قال اللَّه من موقع إرادته التكوينية :
يا نارُ كُونِي بَرْداً وَسَلاماً عَلى إِبْراهِيمَ
[ الأنبياء : 69 ] . وأغلقت هذه الصفحة من تاريخ إبراهيم في بداية الدعوة ، ليبدأ مرحلة جديدة ، فقد كان من الواضح أنه لا يستطيع البقاء مع قومه ليتابع دعوته إليهم بالتوحيد ، بعد الموقف العدائيّ الذي وقفوه منه . لذلك ،
وَقالَ إِنِّي ذاهِبٌ إِلى رَبِّي سَيَهْدِينِ
فقد عزم على الهجرة من بلده أور الكلدانية - في بابل - إلى بلاد الشام ، ليتفرغ إلى عبادة ربه ، وليبدأ تجربة جديدة من تجارب الدعوة في موقع جديد قد يكتشف فيه ساحة مميّزة يملك فيها حرية الحركة لما يريد قوله وفعله . وهناك تزوّج واستقر به المقام ، فطلب من اللَّه أن يرزقه ولدا صالحا ، حيث كان يتوجه بحاجاته إلى ربّه من خلال روحية الإيمان التي تجعل الإنسان المؤمن ينفتح على اللَّه في كل حاجاته ، من موقع أنه لا يملك أيّ شيء إلا به ومنه .
رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ
فهو لم يطلب ولدا ، أيّ ولد ، من خلال
من وحي القرآن — صفحة 205 | السيد محمد حسين فضل الله