فيها ، أعيش معها الشك الذي يعيشه الباحث عن الحقيقة في دائرة الاحتمالات الكثيرة التي تتجه يمينا أو شمالا ، كالمريض الذي يعيش الاهتزاز من البرد ، في نوبة من نوبات الحمّى ، أو في حالة مرضيّة جسدية تمنعه من الخروج مع قومه إلى حيث يريدون لحضور عيد لهم ، أو غير ذلك ، ليخلو إلى ما يريده من تنفيذ الخطة المدبّرة للأصنام .
فَتَوَلَّوْا عَنْهُ مُدْبِرِينَ
ولم يعيروا له انتباها ، لأنهم لم يخطر لهم في البال بأنه سوف يقوم بما قام به من حملة مدمّرة ضد الأصنام ، فلم يكونوا قد أخذوا حديثه في رفضها مأخذ الجد ، بل اعتبروه من أحاديث المراهقين الذين يتحدثون بطريقة انفعالية لا مجال فيها للتركيز .
فَراغَ إِلى آلِهَتِهِمْ
مال إليها وحاد من جهة إلى جهة ، تماما كما يستعد للدخول في معركة ،
فَقالَ أَ لا تَأْكُلُونَ
فقد حان وقت الطعام الذي يحتاج الأحياء إلى تناوله من أجل استمرار حياتهم ،
ما لَكُمْ لا تَنْطِقُونَ
لماذا أنتم جامدون ، خاضعون للصمت الرهيب الذي يلفّ وجودكم فلا حركة ، ولا صوت ، ولا كلمة . . . وما هذه الأشكال الإلهية المزعومة التي لا تمثل شيئا ، ولا تعني أيّ شيء ؟ وثارت في داخله النقمة عليهم
فَراغَ عَلَيْهِمْ ضَرْباً بِالْيَمِينِ
أي باليد اليمنى ، أو بالقوّة التي تمثلها ، فكسر رؤوسهم وحطّم تماثيلهم .
فَأَقْبَلُوا إِلَيْهِ يَزِفُّونَ
أي يسرعون في المشي ، وهم في حالة رعب وهول وثورة ، وتساءلوا عن الذي قام بهذا العمل الشنيع ضد الآلهة ،
قالَ أَ تَعْبُدُونَ ما تَنْحِتُونَ
مما عملته أيديكم ، فكيف تعبدون ما صنعتموه مما تعرفون طبيعة عناصره وسرّ معناه ، فلا معنى لأية قداسة مزعومة ، لأنها ليست شيئا خفيّا لا تعرفونه حتى يشتبه عليكم الأمر في عمقها القدسي ، بل هي شيء واضح بيّن ، فقد كانت الأصنام ترابا ، كأيّ تراب ، أو خشبا كأيّ خشب ، أو شيئا آخر كبقية الأشياء . . . ، فما الذي حدث حتى ميزتموها عن عناصرها غير المصنوعة ، هل هو الشكل الذي صنعتموه ؟ وهل يغيّر الشكل طبيعة المضمون ؟