من خلال ابتعادكم عن فكره ونهجه ، فالتقى طريقكم بطريقنا ، ونهجكم بنهجنا ، من دون أن تكون هناك أيّة تبعية بالمعنى الدقيق لهذه الكلمة ، بل كان هناك لقاء في الفكر والموقف .
وَما كانَ لَنا عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطانٍ
لأننا لا نملك الضغط على أفكاركم ولو كنا نملك الضغط على أجسادكم ، لأن الجانب العقلي من شخصية الإنسان لا يقع تحت ضغط القوّة الخارجية ، لأنه ليس حالة مادية تخضع لضغط مادّي ، بل هو حالة تتحرك في المعنى ، وفي الوعي الداخلي المنفتح على الآفاق الرحبة من شخصية الإنسان في وجوده الروحي والعقلي .
بَلْ كُنْتُمْ قَوْماً طاغِينَ
في التركيبة الداخلية لشخصيتكم ، في ما يمثله الطغيان من استكبار على الحق ، وتجاوز على الحدود المرسومة من قبل اللَّه ، فقد سمعتم دعوة الرسول كما سمعناها ، ووعيتم الوحي الإلهي كما وعيناه ، وكان لكم عقل كما لنا عقل ، فجمّدتم عقولكم وتمرّدتم على دعوة اللَّه ، فما الذي يجعلكم في موقف المنفعل ، ويجعلنا في موقف الفاعل المضلّ ؟
فَحَقَّ عَلَيْنا
نحن وأنتم
قَوْلُ رَبِّنا
الذي فرض العذاب للمنحرفين عن نهجه وشريعته ،
إِنَّا لَذائِقُونَ
كل هذا العذاب الذي نقاسيه ونتجرعه ، وإذا كان هناك من مسؤولية في إغوائنا لكم
فَأَغْوَيْناكُمْ إِنَّا كُنَّا غاوِينَ
فذلك هو ما عشناه في كل حركة وجودنا ، وكان لكم عقل تدركون به ذلك وتعرفون به طبيعة الوضع الذي نعيشه ، والصفة التي نحملها ، حيث أقام اللَّه عليكم الحجة كما أقامها علينا ، فلما ذا اتبعتمونا وتركتم رسل اللَّه ووحيه ؟ !
فَإِنَّهُمْ يَوْمَئِذٍ فِي الْعَذابِ مُشْتَرِكُونَ
لأنهم يشتركون في طبيعة الموقف الذي يفرض العذاب ،
إِنَّا كَذلِكَ نَفْعَلُ بِالْمُجْرِمِينَ
الذين يتحركون في مواقع الجريمة بما تعنيه من التمرد على اللَّه المنطلق من قاعدة الرفض المعقّد المبنيّ على غير أساس من علم أو عقل ، وهذه الجريمة على المستوى النظري الإيماني تؤدي إلى الجريمة العملية