منطق المنافقين المشكك
لقد كان منطقهم في البداية أن يثيروا التشكيك في وعد اللّه ورسوله المسلمين بالقوّة والنصر في مستقبلهم ، ليجعلوا من هذا الحصار الشديد منطلقا للإيحاء بعدم جدّية تلك الوعود وصدقها ، لأن المسلمين الذين يعيشون مثل هذه الهجمة القاسية التي تعمل على القضاء على كل وجودهم ، لا يمكن لهم أن يأملوا بالنصر القويّ المهيمن على الساحة كلها .
وَإِذْ يَقُولُ الْمُنافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ ما وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُوراً
فقد كان محمد يعدنا بأن نفتح مدائن كسرى وقيصر ، ونحن لا نأمن أن نذهب إلى الخلاء .
وَإِذْ قالَتْ طائِفَةٌ مِنْهُمْ يا أَهْلَ يَثْرِبَ لا مُقامَ لَكُمْ
- يثرب هو اسم المدينة - لأن المشركين سوف يقتحمونها ويقتلون أهلها ويصادرون أموالهم
فَارْجِعُوا
إلى المدينة واهربوا من عسكر رسول اللّه ، ليراكم المشركون بعيدين عن ساحة المعركة فيؤمنوكم ، وقيل : قالوا لهم ارجعوا كفارا وسالموا محمدا وإلا فليست يثرب لكم بمكان . وهكذا كانت المسألة عندهم أن يثيروا الخوف في قلوب أهل المدينة من أجل خلخلة الوضع الداخلي في اتجاه الهزيمة النفسية في معسكر النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم ليسهل على المشركين اقتحام المدينة من دون مقاومة .
وَيَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِنْهُمُ النَّبِيَّ
للخروج من المعسكر ليبتعدوا عن الإحراج الذاتي والاجتماعي الذي قد يقعون فيه عندما يمتنعون عن المشاركة في المعركة ، في ما يريدونه من الابتعاد عنها ، فيعملون لإيجاد المبررات الواقعية للخروج ليكون خروجهم عن إذن شرعيّ من النبي ، حتى لا يطالبهم أحد بذلك بعد انتهاء المعركة ، أو يعاقبهم النبي على الفرار
يَقُولُونَ إِنَّ بُيُوتَنا عَوْرَةٌ
فهي معرّضة للعدو ، مفتوحة للسارقين ، فائذن لنا يا رسول اللّه ، لنرجع إليها