على العصبية ، بل من موقع الإيمان القائم على الاقتناع بالمضمون الروحي بالوحي النازل من اللّه ، وعلى الالتزام العملي به في حياتهم الخاصة والعامة ، مما يجعلهم ينطلقون بشخصية أخلاقية متينة لا تهتز للانفعالات الطارئة ، بل تثبت للحقائق الثابتة ، فإذا رأوا داعية للحق ونذيرا بالوحي ، أقبلوا عليه ، ليستمعوا إليه بكل قلوبهم ، ليعرفوا طبيعة الصدق لديه ، ليتبعوه ، وليؤمنوا به .
وهذا ما يريده اللّه للناس كلهم في مسألة الإيمان بالرسالات وبالرسل . وهذا ما أشار إليه كنموذج حيّ في هذه الآية
الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ مِنْ قَبْلِهِ هُمْ بِهِ يُؤْمِنُونَ
لأنهم يعرفون صدقه من مقارنته بما يعرفونه من الكتاب ، فيؤمنون به عن معرفة عميقة به . وقد يكون المقصود به بعض نماذجهم ، وقد يكون المقصود به ، كل أهل الكتاب ، الذين يملكون علمه ، كما ذكره بعض المفسرين ، ولكن الأقرب هو الاحتمال الأول ، لأن الواقع خلاف ذلك ، باعتبار أن الكثيرين منهم قد كفروا به ، وعاندوا الرسول .
وَإِذا يُتْلى عَلَيْهِمْ قالُوا آمَنَّا بِهِ إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّنا
من خلال وضوحه في عقولهم ، في ما فكّروا به وناقشوه مع العالمين به . ويتابعون قولهم :
إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ
لأننا نعرف حقائق الدعوة فيه ، في ما نعرفه من تعاليم الأنبياء في الكتب المنزلة من قبله ، وما تتضمنه من ملامح النبي القادم في آخر الزمان ، مما يجعلنا نتطلع إلى ملامحه في الواقع ، في ما عرفناه منها في الكتاب .
أُولئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ بِما صَبَرُوا
لأنهم آمنوا ، قبل أن ينزل عليهم وحي القرآن ، بما أنزله اللّه من الكتاب على موسى عليه السّلام وعيسى عليه السّلام ، ثم آمنوا بما أنزله على محمد صلى اللّه عليه وآله وسلّم ، فصبروا على مشاكل التحدي أوّلا ، وثانيا .
وَيَدْرَؤُنَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ
فيدفعون الكلمة الخبيثة بالكلمة الطيبة ،