تخطي إلى المحتوى الرئيسي

من وحي القرآن — صفحة 298

مساهمون:

ص٢٩٨
الجهات . . وتلك هي نتائج العقلية المستكبرة التي تعمل على اضطهاد الحقيقة عندما تتحرك في مواقع المستضعفين ، أو تهدد مواقعهم في سلطانهم ، أو تدعوهم إلى التنازل عن امتيازاتهم ، فيعيشون الصراع الداخلي بين قوّة الحقيقة في منطقها ، وضغط الامتيازات في مطامعهم ومطامحهم ، بالإضافة إلى احتقار الآخرين في دوائرهم الصغيرة الضعيفة ، فيتغلب عليهم طابع الاستكبار ويدفعهم إلى العناد الأعمى الذي يبحث عن ذاته ، فيعمى عن رؤية الحق في داخلها ، أو يتعامى عن ذلك ، فلا يدرك النتائج التي تهدد مصيره ، فيبقى مستغرقا في اللحظة الحاضرة فلا يفكر بالمستقبل . وهكذا كان فرعون وجنوده الذين خيّل إليهم ، في حالة غياب الوعي عن وجدانهم ، واستغراق الشهوات في تفكيرهم ، أنهم خالدون في الدنيا ، وذلك في ما حدثنا اللّه عنهم بقوله :
وَظَنُّوا أَنَّهُمْ إِلَيْنا لا يُرْجَعُونَ
ولكنه ليس الظن الذي ينطلق من موقع الشبهة كما لو كانوا يعيشون مشكلة فكرية تتحدى فكر الإيمان ، بل هو الظن الناشئ من حالة الغفلة المستغرقة في أجواء اللّاوعي الغارق في الأطماع والشهوات ، مما يجعلهم يوحون بذلك من خلال حركتهم مع الناس على نهج قوله تعالى :
وَجَحَدُوا بِها وَاسْتَيْقَنَتْها أَنْفُسُهُمْ
[ النمل : 14 ] ،
فَأَخَذْناهُ وَجُنُودَهُ فَنَبَذْناهُمْ فِي الْيَمِّ
بعد جولة طويلة من الصراع الذي خاضه موسى معهم ، ومن المعاناة التي عاشها في مواجهتهم ، وبعد استغراقهم في الغيّ والضلال والطغيان ، فأغرقهم اللّه في البحر . وانتهت بذلك أسطورة فرعون الذي لم يعرف قدر نفسه ، في حقارتها البشرية ، أمام عظمة اللّه ، فأعلن نفسه للناس إلها من دون اللّه ،
فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الظَّالِمِينَ
الذين مهما امتد ظلمهم ، فإنه لا يملك القدرة على البقاء ، لأنه لا يملك عمقا في معنى الحياة ، بل يمثّل عدوانا عليها ، مما يجعلها تخضع له في وقت ما ثم تضمّه في غيابات الموت ليبتعد عن الإساءة إليها ، فلا يبقى منه شيء .