تخطي إلى المحتوى الرئيسي

من وحي القرآن — صفحة 296

مساهمون:

ص٢٩٦
على مستوى العقيدة ، في ما ظلموا به أنفسهم ، وظلموا به الحقيقة من الكفر باللّه ، أو من الإشراك به ، وفي ما ظلموا به الناس من الطغيان والتجبر والتعسف ، والقتل والأسر والاضطهاد .
وَقالَ فِرْعَوْنُ يا أَيُّهَا الْمَلَأُ ما عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرِي
وذلك في ما خيّل إليه من سيطرة موسى على عقولهم ومشاعرهم من خلال ما قدّمه من الآيات والمنطق الرسالي ، لأنه شعر بتأثير ذلك في نفسه ، مع أنه صاحب السلطة وصاحب المصلحة في الرفض ، فخاف أن يؤثر ذلك على قومه . ولهذا أراد أن يقوم بأسلوب إيحائيّ وبطريقة استعراضية ، فهو الحاكم الذي عوّدهم أن يفكر لهم ، وأن يكتشف الحقائق التي يريدهم أن يؤمنوا بها ، لأنه عطّل لهم تفكيرهم وأبعدهم عن السعي للحصول على المعرفة بشكل مستقل . ولهذا ، فالعقيدة تصدر عنه بمرسوم كما هي الشريعة التي قرّرها بمرسوم ، كما هي سيرة الطغاة الذين لا يرون لشعوبهم قيمة في ميزان الفكر ، ولا يرون لهم حقا في تقرير مصيرهم بأنفسهم ، وهذا ما جعله يواجههم بأن دعواه الألوهية ، التي تجعله في موقع الإله المعبود ، وتجعلهم في موقف العبودية له ، لم تنطلق من حالة ذاتية طموحة ، بل من موقع الحقيقة التي تفرض نفسها على الواقع ، لأنه بحث في كل ما حوله ، فلم يجد إلها غيره يملك سلطة الحكم ، ويسيطر على مواقع القوّة . أمّا ما قاله موسى ، فليس فيه أيّة حجّة تؤكده ، ولم يجد فيه - هو - برهانا قويّا مقنعا ، ولذلك فإنه يؤكد لهم ضرورة البقاء على ما هم عليه من خط العقيدة والعبادة . ثم يبدأ الاستعراض الذي يراد من خلاله الإيحاء بأنه لا يقف في موقف العناد ، بل في موقف الشخص الذي لا يدّخر جهدا في الوصول إلى الحقيقة . مما يملك من إمكانات التحرك نحوها ، ولذا فهو يطلب من الناس أن يجمّدوا موقفهم ، ولا يغيّروه ، حتى تتمّ عملية استنفاد الجهد كله في السعي إلى معرفة