موقفه ، ويحس بإدراك الآخرين لخفاياه ، أو بعدم ثقتهم بإخلاصه ، فيبادر إلى الأيمان المغلّظة التي يطلقها بمناسبة وغير مناسبة ، ليؤكّد صدقه بهذا الأسلوب الحاسم . وهكذا جاءوا وأقسموا الأيمان المغلظة
لَئِنْ أَمَرْتَهُمْ لَيَخْرُجُنَّ
من ديارهم وأموالهم ، ولكن اللّه أراد للرسول أن يصدمهم بقوّة ، ويواجههم بالحقيقة الداخلية المظلمة التي تختفي وراء صورتهم المشرقة . .
قُلْ لا تُقْسِمُوا
لأنكم مهما أقسمتم ، فإن ذلك لن يغير من القناعة بنفاقكم ، بل ربما تكون كثرة الأيمان أساسا للشك والاتهام ، لأن الإنسان الواثق من صدقه وبراءته يستخدم الأسلوب الطبيعي في إثارة قضيته ، ولا يبتدئ إثارتها بتقديم التأكيدات غير العادية ، لأنه لا يرى ضرورة لذلك ما دام لا يجد في موقفه أساسا لأيّ شكّ أو اتهام .
طاعَةٌ مَعْرُوفَةٌ
أي أن طاعتكم ليست طاعة حقيقيّة سببها الالتزام بالرسالة والرسول ، بل هي طاعة ظاهرية منطلقة من مواقع الكذب والرياء ، غرضها تفادي الإحراج ، كي لا ينكشف أمركم لدى الجميع ، ولكن أمركم معروف للّه الذي يعرف بواطن الأشياء وخفايا الأمور .
وذكر بعض المفسرين أن معناها : قل « لا تقسموا ، فالخروج إلى الجهاد طاعة معروفة من الدين ، وهو واجب لا حاجة إلى إيجابه بيمين مغلّظ » « 1 » .
وهو خلاف الظاهر من سياق الآيات .
إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ
وقد أخبرنا اللّه عنكم بما فيه الكفاية ، مما جعلكم معروفين لنا بكل وضوح .
هامش
( 1 ) تفسير الميزان ، ج : 15 ، ص : 149 .