شك في تصرفاتهم ، بسبب اشتباه أمرهم عليه ، أو بسبب ما ينسبه الناس إليهم ، هي نفسها النظرة إلى نفسه ، وهو أمر يستدعي استبعاد صدور القبيح منهم بشكل طبيعيّ ، واعتبار الجانب الخفيّ في سلوكهم مختزنا لبعض المعطيات التي قد تفسره إيجابا . .
وهذا ما يفرض على المؤمنين والمؤمنات ، أن لا يصدّقوا الإشاعات المنسوبة إلى بعضهم لمجرّد سماعهم ذلك ، بل لا بد لهم من أن يحملوها على الخير حتى يثبت لهم الشرّ ، لأن مجرد الإشاعة التي لا ترتكز على حجة ثابتة ، لا تصلح أساسا للحكم ، أو للاتهام القويّ ، ولولا ذلك لكان المجتمع المؤمن خاضعا للاهتزاز أمام الأجهزة الكافرة أو الضالة أو المنافقة ، التي تعمل على إفقاد أفراده الثقة ببعضهم البعض ، وتحطيم كرامتهم ، والإخلال بتوازنه المعنوي ، وإثارة المشاكل والخلافات في داخله . . ولذلك أراد اللّه سبحانه للمؤمنين أن يواجهوا المسألة بقوّة حاسمة ، ليعطلوا هذه الخطة الخبيثة ، وليسدّوا الطريق على مثيري الفتن من خلال إثارة الإشاعات في داخل مجتمعهم ، فطلب منهم أن يظنوا بإخوانهم الذين هم بمنزلة أنفسهم خيرا ، وأن يطلقوا الكلمة الحاسمة في وجوه المنافقين ، في ما أرادهم اللّه أن يقولوه .
وَقالُوا هذا إِفْكٌ مُبِينٌ
فإن الخبر الذي لم ينطلق قائله من حجّة ، أو لم يقدّم عليه بيّنة ، محكوم عليه شرعا بالكذب ، بمعنى أن على المؤمنين أن لا يرتبوا عليه آثار الصدق ، بل أن يرتبوا عليه آثار الكذب ونفي كل مضمونه مع لوازمه ، بقطع النظر عن العمق الواقعي للخبر ، لأن القاعدة الشرعية تفرض الحكم على الصدق والكذب ، على أساس وسائل الإثبات الشرعية من الناحية السلبية أو الإيجابية . وهذا ما أشارت إليه الآية التالية :
لَوْ لا جاؤُ عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَداءَ
فالحكم بكذب هؤلاء ينطلق من عدم