والنواهي فقد التشريع فاعليته القويّة في تنظيم حياة مستقرّة للإنسان ، لأن الأهواء لا تحكمها قاعدة أو قانون ، مما يجعل الكون كله عرضة للاهتزاز وللفساد وللخلل ، وبذلك تفسد السماوات والأرض لو أريد لها أن تتحرك أو تتغير أو تثبت أو تزول تبعا للأهواء المتنوعة والشهوات المتباينة والأمزجة المتقلّبة ، ويفسد من فيهن من إنسان وحيوان وغيرهما لو كانت الأنظمة الموضوعة لها بعيدة عن منطق العقل ، وقريبة إلى منطق الهوى والشهوة والانفعال .
إن المسألة - في مجملها - هي الفرق بين القاعدة واللاقاعدة ، فلا يمكن أن يصلح شيء لا قاعدة له في ساحة الوجود أو التشريع ، وبذلك لا يمكن أن تكون الأهواء أساسا لذلك كله . . ولذلك اقتضت الحكمة الإلهية ، أن يتجاوز الناس أهواءهم ونوازعهم ، لينظم الوحي حركتهم في الواقع كله ، ويصدم كل مرتكزاتهم الخاطئة ، ويغير كل عاداتهم المتخلفة ، وينسخ كل شرائعهم الباطلة .
إعراض المشركين عن ذكر اللّه
بَلْ أَتَيْناهُمْ بِذِكْرِهِمْ
وهو القرآن الذي يذكّرهم بالحقائق التي تفتح عقولهم على ما غفلوا عنه من عناصر الهدى ، وتذكرهم ما نسوه من قواعد النجاة والنجاح . . وقد نسب الذكر إليهم ، باعتبار أن هدف حركته في الواقع هو تذكيرهم ، ليكونوا القاعدة الإيمانية للمستقبل ، باعتبارهم أوّل من تحركت الدعوة إليهم بالإسلام في وقت غفلوا فيه عن الحقّ ونسوا قواعد النجاة .
فَهُمْ عَنْ ذِكْرِهِمْ مُعْرِضُونَ
لأنهم يرفضون الانفتاح على كل آيات اللّه ،