تخطي إلى المحتوى الرئيسي

من وحي القرآن — صفحة 173

مساهمون:

ص١٧٣
القول مبررا في الواقع ؟ طبعا لا ، فليس للقول بجنونه أي مبرر ، لأنه يمثل كل القوّة والثبات والتوازن في كل عناصر شخصيته ، ولكن للمسألة سببا آخر ، هو عقدتهم من مسألة الحق ، والعقلية العنيدة الجامدة التي يملكونها والتي لا تواجه الرأي الآخر في مرتكزاته الفكرية ، أو لا تواجه الطروحات الجديدة الداعية إلى التغيير بروحية البحث عن الحقائق الجديدة التي يفرضها تغير الواقع وتغير معطياته ، لأنهم ليسوا مستعدين لتغيير عاداتهم وتقاليدهم وموروثاتهم العقيدية ، تحت تأثير أيّ وضع ، حتى لو كان الحق واضحا فيه . . إنه التعصّب للباطل المتحجّر في حياتهم ، الذي يجعلهم يكرهون الحقّ من موقع هذا التعقيد الشعوري ، لا من موقع عدم القناعة به .

ما جاء به الرسول هو الحقّ

بَلْ جاءَهُمْ بِالْحَقِّ
الواضح المرتكز على الحجّة والبرهان
وَأَكْثَرُهُمْ لِلْحَقِّ كارِهُونَ
لأنهم يريدون تأسيس حياتهم على الأهواء والشهوات والأطماع التي تلتقي بالباطل من أقرب طريق ، وليسوا مستعدين لترك ذلك كله ، والالتزام بالخط المستقيم الذي قد يتعب أوضاعهم التي اعتادوها ، ويمنع عنهم ما حصلوا عليه من امتيازات . . وقد نستوحي من الحديث عن كراهة الأكثرية منهم للحق ، أن القرآن يريد نزع فكرة قداسة الأكثرية من الأذهان ، باعتبارها أساسا للإيمان بالحقائق ، لأن الإيمان يمثل الحركة المضادة لتيار الشهوات الذي يوافق النفوس ، ولذلك فإن من يتحملون ضربات التيار الذي يواجه خط الإيمان ، قليلون ، بينما يرتاح للسير مع اندفاع التيار أغلبية الناس . . ولكن ليس معنى ذلك أن الأكثرية تقف دائما ضد الحق ، بل إن الحق ليس دائما معها .
من وحي القرآن — صفحة 173 | السيد محمد حسين فضل الله