تخطي إلى المحتوى الرئيسي

من وحي القرآن — صفحة 166

مساهمون:

ص١٦٦

المسارعون في الخيرات

من هم الذين يسارعون في الخيرات على مستوى أعمالهم في الدنيا في ما تمثله من مبادئ الخير ، وعلى مستوى مصيرهم في الآخرة ، في ما يمثله من النتائج السعيدة الخيّرة في أجواء النعيم الخالد ؟
إِنَّ الَّذِينَ هُمْ مِنْ خَشْيَةِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ
هؤلاء الذين عاشوا عظمة اللّه في عقولهم ووجدانهم ، واستشعروا محبته في قلوبهم ، وأشفقوا على أنفسهم من خشيته ، لأن للعظمة بعدا للحب يدفع للطاعة ، وبعدا آخر يدعو للخوف من المعصية . . وهكذا كان هذا الإشفاق المتحرك من موقع الخوف من اللّه ، لا يتمثل في الجانب الشعوري من حياتهم فقط ، ليكون مجرد حالة انفعالية طارئة ، بل يتمثل في الجانب العملي من سلوكهم أيضا بحيث يصبح برنامجا عمليا للحياة في خطّ القرب من طاعة اللّه ، والبعد عن معصيته .
وَالَّذِينَ هُمْ بِآياتِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ
، لأنهم تطلّعوا إلى كل مظاهر الحياة ، في الكون وفي الإنسان ، في أجهزة جسمه ، وانطلاقة عقله وروحه ، وفكروا في تلك الآيات تفكير الباحث عن الحقيقة ، وتعمّقوا في أسرارها ليعرفوا دقّة الصنع ، وإعجاز الوجود ، وقارنوا فيما بينها ، ووقفوا على سرّ الوحدة فيها ، فعرفوا أن اللّه وحده هو خالق ذلك كله ، ومبدعة ومدبّره ، وبذلك كان الإيمان بالآيات مقدمة للإيمان باللّه . . وهنا تحدّد قيمة المعرفة الكونية في حساب الإيمان ، فهي ليست حركة عقلية مجردة للاستغراق داخل الفكرة ، بل انطلاقة فكرية وروحية ، ينفتح الإنسان بها على عالم آخر يلتقي من خلاله باللّه . . فالإيمان لا يرتبط بالحقيقة بطريقة ساذجة ، بل يلتقي بها من خلال إعمال الفكر ، وتحصيل العلم ، لتشكيل قاعدة علمية وعقلية متينة يستند عليها .
وَالَّذِينَ هُمْ بِرَبِّهِمْ لا يُشْرِكُونَ
وكيف يشركون به وهم يرون في آياته