تخطي إلى المحتوى الرئيسي

من وحي القرآن — صفحة 258

مساهمون:

ص٢٥٨
أنه حرّ في حركته ، وفي هروبه ، وبذلك انحرف عن خط العقيدة والإيمان وظلم نفسه . ولكن المراد هنا من كلمة
نَقْدِرَ
المعنى الذي يلتقي بالتضييق ، أو بالتحديد كما في قوله تعالى :
وَأَمَّا إِذا مَا ابْتَلاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ
[ الفجر : 16 ] ، وهكذا يكون معنى الآية ، إن هذا العبد الصالح خرج مغاضبا لقومه ، وهو يظن أنه قد ملك حريته ، بعد أن انتهت مهمته ، باستنفاد كل تجاربه في الدعوة إلى اللّه وعدم تجاوب قومه معه ، واستحقاقهم العذاب على ذلك ، وقرب نزوله عليهم ، فلم يفكر بالمرحلة الجديدة من عمله ، ولم ينتظر عودتهم إلى الإيمان من خلال التجربة الأخيرة التي قد تحقق نتائج كبيرة على هذا الصعيد ، وهي مسألة تهديدهم بالعذاب ، الذي ثبت - بعد ذلك - أنه كان الصدمة القوية التي أرجعتهم إلى عقولهم ، فانفتحت قلوبهم على الإيمان باللّه وبرسالاته من جديد . كما حدثنا اللّه عن ذلك في آية أخرى . . لقد كانت لحظة انفعال تختزن الغضب للّه ، ولكنها لم تنطلق للتفكير بالمستقبل في آفاق الدعوة إلى اللّه ، التي تعمل على أن تطل على الآفاق الواسعة من عقل الإنسان وروحه وقلبه لتنتظر منه انفتاحة إيمان ، ويقظة روح ، وخفقة قلب . . . وفي هذا الجو كان خروجه السريع ، سرعة انفعالية في اتخاذ القرار ، وقد لا يكون ذلك تهرّبا من المسؤولية ، وحبّا للراحة ، وابتعادا عن أثقال الرسالة ومشاكلها ، فربّما كان الجو يتحرك في حالة شديدة من الحيرة والغمّ والحزن ، مما يريد معه أن يخرج من هذا الجوّ الخانق ليجد لنفسه ملجأ جديدا ، أو موقعا آخر للدعوة ، أو لأي مشروع جديد ، في هذا الاتجاه ، وهو يظن أن اللّه لن يضيق عليه أمره ، في رزقه ، وفي حركته . وجاءت النتيجة غير ما كان يتصوره أو ينتظره ، فالتقمه الحوت ، بعد أن وقعت القرعة عليه ، وعاش في ظلمات البحر ، وجوف الحوت وظلمات الهمّ والغمّ ، وانفتحت أمامه من جديد ، آفاق إيمانه الواسع ، فعاش روحيته مع اللّه في ابتهال وخشوع ، وبدأ يتذكر لطف اللّه به ، ورحمته له ، ورعايته ، وتكريمه إيّاه من خلال ما اختصه به
من وحي القرآن — صفحة 258 | السيد محمد حسين فضل الله