وهكذا رفع أيوب صوته بالدعاء إلى اللّه ، بعد أن تمرّد على كل نوازع الجزع في نفسه ، وارتفع عن كل عوامل الإشفاق من حوله :
إِذْ نادى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ
فقد أكل المرض كل مظاهر العافية في جسدي ،
وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ
وليس هناك من يرحمني غيرك ، وأنت الذي خلقت عبادك ، وأنعمت عليهم ، وسخّرت لهم الوجود كله برحمتك ولطفك ،
فَاسْتَجَبْنا لَهُ
دعاءه الذي يتضمن الإخلاص والخشوع والانقطاع والانفتاح الإيماني على الاستعانة باللّه دون غيره ،
فَكَشَفْنا ما بِهِ مِنْ ضُرٍّ
فرجع إلى صحته وعافيته ،
وَآتَيْناهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ
وعاد إلى حياته العائلية المليئة بالعاطفة الغنية بالحنان حيث رزقه اللّه ذلك ،
رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنا
في ما يتمثل فيه من مظاهر الرحمة التي تحركت بإرادة اللّه بطريقة غير عادية ، في شبه معجزة ، ليظهر عنايته ورعايته لعبده الذي أخلص له ،
وَذِكْرى لِلْعابِدِينَ
الذين أخلصوا للّه العبادة ليتذكروا الحقيقة الإلهية التي تتحرك في حياة الناس ، لتوحي إليهم بأن البلاء الذي ينزل بهم ليس عقوبة لهم دائما ، بل قد يكون امتحانا لإيمانهم واختبارا لصبرهم ، وإظهارا للآخرين بأن المؤمن لا يسقط أمام البلاء ، ولا يتراجع عن مواقفه . . ثم يلطف اللّه به ويرحمه ويكشف ما به من ضرّ ويحسن إليه لأنه لا يضيع لديه أجر من أحسن إليه عملا .
وقد أراد اللّه لهذه الحقيقة المزدوجة في البلاء الذي يرتكز على الصبر ، وفي كشف الضر الذي ينطلق من الرحمة ، في هذا النموذج الإيماني الرائع الذي يريد للمؤمنين أن يتمثلوه في كل زمان ومكان ، ليعرفوا بأن المؤمن لا يجزع من البلاء ، مهما كان شديدا وقاسيا ، وبأن اللّه لا يخذل عبده ، بل يرحمه ويلطف به ويحوّل عسره إلى يسر في نهاية المطاف .