تخطي إلى المحتوى الرئيسي

من وحي القرآن — صفحة 149

مساهمون:

ص١٤٩
حملتنا معا مما جعل العلاقة بيننا أعمق من أية علاقة أخرى ، وأسترحمك أن تهدأ وأن تبرد غضبك الذي دعاك إلى أن تتصرف معي بقسوة ، فتأخذ بلحيتي وبرأسي لتشدهما بغير رحمة . وأريد منك أن تستمع لي بهدوء . لم يكن الأسلوب الذي اتبعته ناشئا من موقف ضعف ، أو مخالفة للتعليمات ، بل كان ناشئا من دراسة هادئة للموقف . فقد كان الجو المسيطر على الساحة انفعاليا ، وقد كان بحاجة إلى شخصية تفرض نفسها على القوم من موقع قوة تمارس تأثيرها عليهم ، بعيدا عن طبيعة الأسلوب الذي تتبعه معهم . فهي التي يمكن أن تفرض نفسها على الجميع بقوة ، وهذا ما تملكه أنت ، في موقعك عندهم ، لأنك الذي هزمت فرعون أمامهم وحررتهم من العبودية له ، مما جعلك عندهم في مواقع القوة العليا ، بالإضافة إلى صفتك الرسالية ، أما أنا فلا أملك أمامهم ما تملكه ، ولذلك فقد يكون تدخلي العنيف موجبا لانقسام القوم بين مؤيد ومعارض ، مما يوجب اختلال العلاقات في ما بينهم ، وإفساد الواقع الاجتماعي الذي قد يتحول إلى قتال . وقد فهمت من كلامك أنك تريد مني أن أصلح بينهم ، ولهذا فقد أعلنت الموقف ، وتركت الحل الحاسم لك عندما تعود ، لتعالج المسألة من موقع الوحدة لا من موقع الخلاف .
إِنِّي خَشِيتُ أَنْ تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِي إِسْرائِيلَ وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي
في جمع شملهم وتوحيد كلمتهم . وقد استوعب موسى حديث هارون معه في تبرير موقفه في ما نستوحيه من الآية الكريمة :
قالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِأَخِي وَأَدْخِلْنا فِي رَحْمَتِكَ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ
[ الأعراف : 151 ] .