تخطي إلى المحتوى الرئيسي

من وحي القرآن — صفحة 402

مساهمون:

ص٤٠٢
الصورة ، ليعيش تصور المطلق من خلال تصور المحدود ، ولكن بأسلوب يوحي بالامتداد بما يقرب من أجواء المطلق . إنها تتحدث عن كلمات اللَّه - والكلمة هي معنى يوجد باللفظ - فهل أن كلمات اللَّه هي الألفاظ الصادرة منه ؟ وهل يمكن صدور الكلمة من اللَّه كما تصدر من الإنسان من الفم ، واللَّه ليس جسدا يتكلم بالمعنى المادي للكلام ؟ ! إن الكلمة قد تكون تعبيرا عن كل فعل يصدر من اللَّه في مسألة الخلق والإيجاد ، وهذا ما عبّر عنه اللَّه في كل مظاهر إرادته في حركة الأشياء في قوله تعالى :
إِنَّما أَمْرُهُ إِذا أَرادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ
[ يس : 82 ] وذلك من خلال المضمون الداخلي للكلمة ، باعتبار أنه دالّ على الفعل . وهذا هو الذي جعل المسيح عليه السّلام في خلقه كلمة اللَّه ، باعتبار أنه الدليل على وجوده وقدرته وعظمته . وربما كان المراد منها علم اللَّه ، باعتبار أن الكلام في مضمونه يمثّل المعنى الحيّ للمعرفة ، فيكون المراد من كلمات اللَّه معلوماته . وقد يكون المعنى الأول هو الأقرب باعتبار الأسلوب القرآني الذي جاءت فيه الكلمة منسجمة معه ، كما أشرنا إليه آنفا . ولكن مسألة المعلومات لا تبتعد عن الجو في ما يريد القرآن دائما أن يؤكده من إحاطة اللَّه بالكون كله وبالحياة وبالإنسان من خلال علمه الواسع المطلق . ولا يتنافى هذا الفهم مع المعنى الأول الذي قد يكون شاملا للكلمة التي تعبر عن المضمون المتجسّد للواقع في ما يعنيه فعل اللَّه من ذلك ، كما يكون شاملا للكلمة التي تعبر عن المعرفة بواسطة موادّها في الحياة ، ليكون كناية عن الاثنين معا ، حيث يتحرك علم اللَّه في كل آفاق الحياة التي هي خلقه وفعله وإرادته التكوينية في الوجود .
من وحي القرآن — صفحة 402 | السيد محمد حسين فضل الله