تخطي إلى المحتوى الرئيسي

من وحي القرآن — صفحة 346

مساهمون:

ص٣٤٦
التي وعد بها عباده المتقين . وأية معاملة أكثر سوءا من معاملة يستبدل فيها الشيطان باللَّه ؟ ! ثم ماذا هناك ؟ وماذا يملك هؤلاء الشركاء الذين أطاعوهم وعصوني ، واتّبعوهم وتركوني ، وأحبّوهم وأبغضوني ؟ وما خصائصهم الذاتية والنوعية التي يتميزون بها ، ليكونوا أرفع درجة من بقية الناس ، بحيث يمكن لهم أن يحملوا بعضا من أسرار الألوهية في ذلك ، ليرتفعوا إلى درجة الشرك باللَّه ؟ ! إنهم لا يملكون أي شيء من ذلك ، بل هم مثل الناس الآخرين في ملامحهم الشخصية ، وعناصرهم النوعية .
ما أَشْهَدْتُهُمْ خَلْقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ
فلم يكونوا أسبق الخلق ، بحيث شهدوا خلق السماوات والأرض دونهم ، ليكون ذلك أساسا للتفكير بأنهم قد شاركوا اللَّه في بعض ذلك ،
وَلا خَلْقَ أَنْفُسِهِمْ
وكيف يمكن أن يشهدوا ذلك وهم في دائرة العدم ؟ ! وذلك جار على سبيل الكناية عن عدم إحاطتهم بالواقع الكوني ، وبالواقع الذاتي لأنفسهم ، لأنه كان أسبق منهم ، فكيف يمكن أن تكون لهم السيطرة عليه ، وهم لم يعرفوا شيئا من أسراره ؟ ! ولعل في التعبير بالإشهاد ، بدل الشهود ، نوعا من الإيحاء بأن اللَّه هو الذي يملك الأمر كله ، فلا يملك أحد شيئا إلا من خلال تمليك اللَّه له ، فإذا لم يقدّر اللَّه لهم بأن يشهدوا ذلك ، فلا يمكن أن يتحقق لهم شيء منه .
وَما كُنْتُ مُتَّخِذَ الْمُضِلِّينَ عَضُداً
وهل يمكن للَّه سبحانه أن يمنح هؤلاء شرف القرب إليه باتخاذهم شركاء له ، أو مساعدين له - لو كان ذلك معقولا في نفسه - في الوقت الذي يخططون فيه لتحويل الحياة إلى قاعدة للضلال على مستوى العقيدة والعمل في حركة الإنسان فيها ، ويعملون من أجل تحقيق ذلك من خلال ما يوسوسون به من أفكار الشرّ ، وما يزينونه من أوضاع الضلال ، مما يجعلهم في الموقع المواجه للحركة الهادية الصالحة التي يريد اللَّه للإنسان
من وحي القرآن — صفحة 346 | السيد محمد حسين فضل الله