تخطي إلى المحتوى الرئيسي

من وحي القرآن — صفحة 154

مساهمون:

ص١٥٤
استقلال ذاتي ، بل يحسون بالحاجة المطلقة إليه ، لاعتقادهم بالغنى المطلق له ، ولذا فهم يحاولون الوصول إليه وإلى رحمته بأيّ طريق ، وفي عملية بحث دائم ، ويبتغون إليه الوسيلة التي تقربهم إليه ليمارسوها ، وليحصلوا عليها ، وليتسابقوا في ذلك كله ، ليروا
أَيُّهُمْ أَقْرَبُ
من خلال طبيعة وسيلته التي تتميز عن الوسيلة الأخرى لغيره . والظاهر أن المراد من الوسيلة ، هي العمل الصالح الذي أراده اللَّه سبيلا للقرب منه ، لا الأشخاص الذين يتخذهم الناس وسائل للوصول إلى اللّه . ولعل هذا هو المراد من قوله
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ
، [ المائدة : 35 ] وذلك من خلال ما تعبر عنه الكلمة من الطريق أو الأداة التي يتقرب بها الناس إلى اللَّه ، ويصلون - من خلالها - إليه بشكل مباشر .
وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ
في لهفة المترقّب الذي ينتظر هطول الرحمة عليه بالمغفرة والرضوان ،
وَيَخافُونَ عَذابَهُ
في شعور الإنسان المذنب الذي يعرف أنه مستحق للعذاب ، ولذا فإنه يخاف عذاب اللَّه ، ويحذر من وقوعه .
إِنَّ عَذابَ رَبِّكَ كانَ مَحْذُوراً
. يحذر منه الناس ، لما له من شدّة في طبيعته ونتيجته . وعلى ضوء هذا ، فإن معنى الآية ، هو ، كيف يمكن أن يدّعي هؤلاء الناس ألوهية هذه المخلوقات ، واعتبارها شريكة للّه سبحانه ، مع أنها لا تشعر بالاستقلال الذاتي في طبيعتها ، بل هي - على العكس من ذلك - تشعر بالحاجة المطلقة إليه ، ممّا يدفعها إلى تلمّس كل الوسائل التي تقربها إليه لتدرس أيّها أقرب إليها ، لتسلكها ، فيعرف أفرادها
أَيُّهُمْ أَقْرَبُ
ليحس بالأمن والطمأنينة والنجاة من النار . . . وترجو رحمة اللَّه وتخاف عذابه ، فهي في قلق دائم من ذلك كله ، فكيف يمكن أن تكون في موقع الشريك للّه - سبحانه - ؟
من وحي القرآن — صفحة 154 | السيد محمد حسين فضل الله