تخطي إلى المحتوى الرئيسي

من وحي القرآن — صفحة 92

مساهمون:

ص٩٢
الرسل ، فلا بد من أن ينسجم الرسل مع الأجواء العامة التي تحكم حياة أقوامهم ، لجهة ما يعتنقونه من أفكار ، وما يضعونه من مشاريع ، وما يتخذونه من مواقف ، وإلا فليلتمسوا بلادا أخرى يعيشون فيها ، حتى لا يهدموا وحدة الأمة . وبذلك فإن العودة في ملة الكفار التي اشترطها أولئك على الرسل لا تعني أن الرسل كانوا كفارا كما يدل المعنى الحرفي للعبارة ، لأن ذلك لا ينسجم مع التاريخ الإيماني للرسل ، بل إنهم كانوا غير معارضين بالمعنى الحركي للكلمة ، وإن كانوا كذلك بالمعنى الفكري للإيمان . وهكذا وقف الكافرون ليطرحوا عليهم الابتعاد عن خط المعارضة والتحدّي في حركة الإيمان تحت تأثير التهديد بالإبعاد عن أرضهم . إنهم يستضعفون الرسل ليخضعوا لمنطق القوّة ، لأن الرسول كان وحيدا في البداية والجميع ضدّه إلا من اتبعه من الضعفاء . ولكن اللَّه لا يترك رسله لهذا الموقف الذي يضغط عليهم بكل قوّته وجبروته ،
فَأَوْحى إِلَيْهِمْ رَبُّهُمْ لَنُهْلِكَنَّ الظَّالِمِينَ
، فهذه هي إرادة اللَّه في إهلاك هؤلاء الذين ظلموا أنفسهم ، وظلموا الناس من حولهم ، بعد أن أقام اللَّه عليهم الحجة تلو الحجة من خلال الرسل ، فلم يأخذوا بأسباب الإيمان ، بل أمنعوا في خط الكفر والعناد والضلال . وهكذا أراد اللَّه أن يعيش الرسل الشعور بالقوّة ، عندما يتابعون الموقف بصلابة وقوة ، ويستقرون في أرضهم بعد أن يخرج منها الظالمون إلى غير رجعة بعد أن يهلكهم اللَّه ،
وَلَنُسْكِنَنَّكُمُ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِهِمْ
، فتكونون أولى بالقوة ، ويكونون أولى بالسقوط ،
ذلِكَ لِمَنْ خافَ مَقامِي وَخافَ وَعِيدِ
فراقب اللَّه في كل مواقفه وخشي عذابه الذي توعّد به المنحرفين عن هداه ، فأطاع اللَّه في كل أوامره ونواهيه .
وَاسْتَفْتَحُوا
، أي طلبوا الفتح والانتصار على الرسل ومن اتبعهم من المؤمنين ، ولكنهم لم يحصلوا على شيء مما أرادوه ،
وَخابَ كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ
من هؤلاء الذين عاشوا الكبرياء ، في ما كانوا يتمتعون به من مال وجاه