تخطي إلى المحتوى الرئيسي

من وحي القرآن — صفحة 241

مساهمون:

ص٢٤١
فَإِلَيْهِ تَجْئَرُونَ
فترفعون أصواتكم إليه مستغيثين به . وقد تكونون من المنكرين له ، وقد تكونون من الغافلين عنه ، أو من المشركين به أو بعبادته ، ولكن الفطرة العميقة المتصلة بكل خلجة من خلجات المشاعر ، وبكل نبضة من نبضات القلوب ، وبكل حركة من حركات العقل ، تستيقظ وتتحرك وتهمس للحس وللقلب وللعقل بكلمة اللَّه ، ليعيش الإنسان معها من جديد ، فيحس بالحنان والحب والعاطفة ، تهوي عليه من علياء اللَّه ، الذي يعفو ويسامح ويرحم ويغفر ، فلا يشعر الإنسان بوجود حواجز تحول بينه وبين الأمل بالرحمة التي تكشف الضر عنه ، وتفرّج عنه غمّه وهمّه وكربه ، وهكذا ينطلق الإحساس بوجود اللَّه في الأعماق ليدلّل على وحدانيته عن طريق الشعور والعقل ، لأن القلب لا يتجه إلا إليه عند الشعور بالخطر ، كما أن العقل لا يهتدي إلا إليه عند البحث عن سرّ الوجود . وبهذا يتأكد الارتباط بين الخالق والمخلوق في عمق الوجود الإنساني ، ليكون الإحساس باللَّه الواحد ، هو العمق الروحي الذي يحكم حركة الإنسان في الحياة ، وهذا ما يعنيه الوجدان الذي يحس باللَّه ، قبل أن تحكم معادلات العقل بوجوده .

الشرك بالله عند الرخاء

ولكن الإنسان الذي يكتشف اللَّه في حالة الاضطرار ، ويلجأ إليه من أجل دفع الضر عنه ، لا يستمر على حالته تلك ، بل يتبدّل ويتغيّر عند ابتعاده عن حالة الشدة إلى حالة الرخاء ، ويستسلم مجددا إلى شهواته ومطامعه ونزواته التي تبعده رويدا رويدا عن أصالة الشعور في وجدانه ، فينسى ربه ويغفل عن مسئوليته ،
ثُمَّ إِذا كَشَفَ الضُّرَّ عَنْكُمْ إِذا فَرِيقٌ مِنْكُمْ بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ
فيعبدون غيره ،
من وحي القرآن — صفحة 241 | السيد محمد حسين فضل الله