إن الملائكة الذين يعيشون المعرفة للَّه بمستوى لا يحتجب عنهم فيه أيّ جانب من جوانب عظمته ، كما يعيشون المعرفة لذواتهم ولموقعهم من اللَّه ، وحاجتهم إليه في كل شيء ، وحاجة كل الموجودات في كل الأمور إليه . إن تلك المعرفة التي قد تتزايد وتتكامل وتنمو لديهم كلما ازدادوا اقترابا من اللَّه بالعبادة ، وازدادوا اقترابا من حقيقتهم بالتأمل ، إن تلك المعرفة تزيدهم شعورا بالانسحاق والتضاؤل والذوبان أمام عظمة اللَّه المطلقة ، وتمنعهم عن أيّ شعور بالكبرياء ، فضلا عن الشعور بالاستكبار أمامه ، وتدفعهم إلى أن يجسدوا ذلك في طاعتهم له وخوفهم منه
يَخافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ
، ولكنه ليس الخوف الذي ينطلق من الإحساس بشرّ مرتقب ، بل هو الشعور بالعظمة الذي يدعوهم إلى الانضباط والالتزام بإرادة اللَّه والإحساس بالانسحاق الكلي أمامه ، وهذا ما نستوحيه من الإشارة إلى فوقية موقع الإله منهم ، الواردة بمدلولها المعنوي لا الحسي في إيحاء بالقاهرية التي تستتبع المقهورية
وَيَفْعَلُونَ ما يُؤْمَرُونَ
[ 50 ] كمظهر من مظاهر العبودية الخاضعة في مقابل الاستكبار المترفع ، فهم لا يغفلون عن مقام ربهم ، لتتحول الغفلة عندهم إلى نسيان ، ويؤدي بهم ذلك إلى حالة من الانحراف والتمرد والعصيان ، بل يعيشون الوعي كله الذي يتحول إلى طاعة مطلقة .
ويقول صاحب تفسير الميزان في تعليل اختصاص الملائكة من بين الساجدين : « وإنما خص سبحانه الملائكة من بين الساجدين المذكورين في الآية ، بذكر شأنهم وتعريف أوصافهم وتفصيل عبوديتهم ، لأن أكثر آلهة الوثنيين من الملائكة كإله السماء وإله الأرض وإله الرزق وإله الجمال وغيرهم ، وللدلالة على أنهم - بالرغم من زعم الوثنيين - أمعن خلق اللَّه تعالى في عبوديته وعبادته » « 1 » .
هامش
( 1 ) تفسير الميزان ، ج : 12 ، ص : 267 .