تخطي إلى المحتوى الرئيسي

من وحي القرآن — صفحة 190

مساهمون:

ص١٩٠
الجسد ، فتعطيه نشاطا من خلال حركة الحياة في داخله . ولكن صاحب تفسير الميزان لم يوافقهم على ذلك ، بل اعتبر أن الروح « موجود مستقل ذو حياة وعلم وقدرة ، وليس من قبيل الصفات والأحوال القائمة بالأشياء ، كما ربما يتوهّم ، وقد أفاد بقوله :
قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي
[ الإسراء : 85 ] أنه من سنخ أمره ، وعرّف أيضا أمره بمثل قوله :
إِنَّما أَمْرُهُ إِذا أَرادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ * فَسُبْحانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ
[ يس : 82 - 83 ] فدلّ على أنه كلمة الإيجاد التي يوجد سبحانه بها الأشياء أي الوجود الذي يفيضه عليها لكن لا من كل جهة ، بل من جهة استناده إليه تعالى بلا مادّة ولا زمان ولامكان كما يفيده قوله :
وَما أَمْرُنا إِلَّا واحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ
[ القمر : 50 ] فإن هذا التعبير إنما يرد في ما لا تدريج فيه ، أي لا مادّة ولا حركة له . فتحصّل أنّ الروح كلمة الحياة التي يلقيها اللَّه سبحانه إلى الأشياء فيحييها بمشيّته ، ولذلك سمّاه وحيا وعدّ إلقاءه وإنزاله على نبيه إيحاء في قوله :
وَكَذلِكَ أَوْحَيْنا إِلَيْكَ رُوحاً مِنْ أَمْرِنا
[ الشورى : 52 ] ، فإن الوحي هو الكلام الخفيّ والتفهيم بطريق الإشارة والإيماء ، فيكون إلقاء كلمته تعالى - كلمة الحياة - إلى قلب النبي صلى اللَّه عليه وآله وسلم وحيا للروح إليه » « 1 » . ثم يناقش التفسير الأول بقوله : « وأما قوله : إن الروح بمعنى الوحي أو القرآن وكذا قول بعضهم إنه بمعنى النبوّة ، فلا يخلو من وجه بحسب النتيجة ، بمعنى أن نتيجة نزول الملائكة بالروح من أمره هو الوحي أو النبوّة ، وأما في نفسه وهو أن يسمّي الوحي أو النبوّة روحا ، باشتراك لفظيّ أو مجازا ، من حيث إنه يحيي القلوب ويعمرها ، كما أن الروح به حياة الأبدان وعمارتها ، فهو فاسد لما بيناه مرارا أن الطريق إلى تشخيص مصاديق الكلمات في كلامه تعالى ، هو الرجوع إلى سائر ما يصلح من كلامه لتفسيره دون الرجوع إلى العرف وما يراه
هامش
( 1 ) تفسير الميزان ، ج : 12 ، ص : 205 .