تخطي إلى المحتوى الرئيسي

من وحي القرآن — صفحة 123

مساهمون:

ص١٢٣

الله لا يغفل عن عمل الظالمين

وَلا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ
كما يبدو من إهمال أمرهم ، والصبر عليهم ، والإملاء لهم ، وتركهم لأنفسهم في ما يعملون من أعمال ، وما يمارسونه من جرائم ، فإن ذلك لا يعني أن اللَّه لم يطلع عليهم داخل حياتهم ، أو أنه راض عنهم ، ولكن حكمته اقتضت قيام نظام الحياة على الإرادة والاختيار ، ليكون الإنسان مسؤولا ، وليواجه نتائج مسئوليته يوم القيامة ، لأن اليوم عمل ولا حساب ، وغدا حساب ولا عمل . أما المراد بالظالمين ، فإن الظاهر من السياق أنهم الذين ظلموا أنفسهم بالكفر أو بالمعصية ، أو الذين ظلموا الناس بغيا وعدوانا . وعلى كل حال ، فإن المعنى الأول يوحي بالمعنى الثاني ، لأن استعمال كلمة الظلم في التعبير عن الكفر أو المعصية ، يوحي بأن الظلم مرفوض عند اللَّه ، بالمستوى الذي يرفض فيه اللَّه الكفر ، من موقع كونه ظلما . وهكذا نجد أن اللَّه لا يغفل عن الظالمين ، لمجرد أنه لا يعاقبهم في الدنيا
إِنَّما يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصارُ
في حالة تطّلع مذهول ، يجعلها مفتوحة متصلبة أمام الأهوال المخيفة التي تواجههم في ذلك اليوم
مُهْطِعِينَ
مسرعين في حركة مشيهم تلبية لدعوة الداعي ، لا يملكون أيّ نوع من التماسك والتوقف
مُقْنِعِي رُؤُسِهِمْ
أي رافعي رؤوسهم أمام الهول الكبير .
لا يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ
أي لا يطرفون بعيونهم من الخوف والحذر ،
وَأَفْئِدَتُهُمْ هَواءٌ
لا تنطوي على أيّ شيء من الإدراك والشعور ، فقد أذهب الرعب كل ما فيها ، فكأنها ليست بشيء ، كما هو الهواء لا يمثل أيّ شيء في داخله .