تخطي إلى المحتوى الرئيسي

من وحي القرآن — صفحة 117

مساهمون:

ص١١٧
وإذا كان السلام هو طابع هذا البلد الذي أراده إبراهيم له ، فلا بد لهذا السلام من أن يرتكز على قاعدة في الروح وفي الفكر ، وأي قاعدة أعظم تأثيرا في النفس ، وأكثر قوة على الثبات ، من توحيد اللَّه ورفض عبادة غيره ، لأنها القاعدة التي تخطّط للإنسان المنهج الذي تنطلق منه كل مشاريعه العامة والخاصة ، في علاقاته بالحياة وبالآخرين ، حيث يتأكد شعوره بالتقوى في كل شيء ، في أجواء العقيدة الرافضة لشرك الفكر والانتماء ، وفي أجواء العمل الرافض لشرك العبادة ، وهذا ما عبّر عنه إبراهيم عليه السلام - في ما حكاه اللَّه عنه - بقوله :
وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنامَ
، حيث تمثل عبادة الأصنام استجابة لتسويلات الشيطان وما يثيره ، في مكامن الذات ومشاعرها الحميمة ، من دافع للانسجام مع الجو العام الذي يسيطر عليه الشرك ، بطريقة تجعل الأجواء الخارجية البعيدة عن الحق مسيطرة على الآفاق الداخلية للذات ، فتنحرف عن الخط المستقيم ، طلبا لرضى أو تأييد هذا الفريق أو ذاك ، وهذا الشخص أو ذاك ، لأنهم يملكون السلطة والمواقع الاجتماعي المتقدم الذي تضعف مقدرة الذات على الرفض أمامه إلا إذا توفر لها تأييد اللَّه ورعايته له ، وهو أمر يتحقق بالابتهال إليه أن يمنح الإنسان القوّة في الموقف الرافض الحاسم ، كما يمنح بنيه في الحاضر والمستقبل مثل هذه القوّة في مواجهة كل شرك في العقيدة أو في العبادة ، من دون فرق بين الأصنام البشرية أو الحجرية أو الخشبية ، أو غير ذلك مما اعتاد الناس على عبادته والارتباط به على كل مستوى من مستويات العلاقة النفسية والعملية .
رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيراً مِنَ النَّاسِ
ممن كانوا لا يملكون الوعي المنفتح على حقائق الحياة ، ولا يدققون في الأفكار المطروحة عليهم ، فلا يلتفتون إلى الخرافة وهي تتحرك في هذه الفكرة أو تلك ، تضخيما لبعض الأشخاص أو
من وحي القرآن — صفحة 117 | السيد محمد حسين فضل الله