تخطي إلى المحتوى الرئيسي

من وحي القرآن — صفحة 179

مساهمون:

ص١٧٩
فِيهِ مِنَ الزَّاهِدِينَ
لأنهم أرادوا التخلص منه بسرعة ، والحصول على ثمنه بأيّ مقدار كان ، حذرا من أن يكتشفهم أهله ويأخذوه منهم قبل أن يبيعوه ويقبضوا ثمنه . والظاهر أن الضمير راجع إلى القوم الذين أخرجوه من البئر وأسرّوه بضاعة لأن السياق يوحي بذلك ، ولا يلتفت إلى احتمال أن إخوة ليوسف هم الذين باعوه ، بعد أن اكتشفوا إخراج السيارة له ، فادّعوا أنه عبدهم فباعوه منهم ، لأن هذا خلاف الظاهر .

بدء التمكين

وَقالَ الَّذِي اشْتَراهُ مِنْ مِصْرَ لِامْرَأَتِهِ أَكْرِمِي مَثْواهُ
فقد أعجبه هذا الغلام ، ونفذ إلى قلبه ، بحسنه ووداعته وصفاته الروحية والأخلاقية ، مما قد لا يجتمع في العبيد الذين يعرضهم النخاسون في سوق النخاسة ، فأراد من امرأته ألّا تعامله بالشدّة والقسوة التي كان يعامل بها العبيد ، بل أراد معاملته باللطف والإكرام ، كإنسان يستحق الإعزاز والاحترام ، لينتفع به ، ويعتمد عليه في الأمور الخاصة ، ويكون موضع سرّه يأتمنه على خصوصيات البيت وأسراره ، أو يتبناه ، لأنه كان عقيما لا ولد له ، وهذا ما أوحى به إلى امرأته :
عَسى أَنْ يَنْفَعَنا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَداً
. وهذا ما أراد اللَّه أن يهيئه ليوسف من وضعيّة تمكنه من السير في اتجاه تقوية مركزه ودعم مكانته ، لا سيما بعد أن يتجاوز بنجاح الظروف المثيرة والأحداث الصعبة ، مما أهّله لفرصة الاعتماد عليه في تفسير الحلم الكبير للملك ، لأن اللَّه قد ألهمه ، تأويل الأحاديث بطريقة تسمح له جلاء الكثير من غوامضها .
وَكَذلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ
فجعلناه في الموقع الذي يمكنه من بلوغ المنزلة الكبيرة ،
وَلِنُعَلِّمَهُ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحادِيثِ
لنهيّئ له المدخل الطبيعي
من وحي القرآن — صفحة 179 | السيد محمد حسين فضل الله