تخطي إلى المحتوى الرئيسي

من وحي القرآن — صفحة 108

مساهمون:

ص١٠٨

على قاعدة التوحيد تواجه الانحرافات

وهذه قصة نبيّ آخر أرسله اللَّه إلى قومه ليعالج واقع الانحراف الفكري والعملي ، لا سيّما ما يتعلق منه بالجانب الاقتصادي المتمثل بالتطفيف في المكيال والميزان ، باعتبار أن ذلك يمثّل الروحية المظلمة المليئة بالأنانية ، التي لا تنظر إلا إلى حماية مصالحها ، ولو كان ذلك ، على حساب مصالح الآخرين . وقد أراده اللَّه أن يعالج الانحراف بتركيز الخط على القاعدة الإيمانية التي تربط الإنسان باللّه في كل أموره ، لينظم بالتالي علاقته بكل مفردات الحياة ، وبكل أفراد الناس . وهذا هو الخط المستقيم في عملية الإصلاح ، فإنك لن تستطيع أن تصل إلى النتيجة الحاسمة في القضاء على الظاهرة المنحرفة من خلال معالجتها بطريقة مباشرة في نطاق حدودها الضيّقة ، لأن العوامل الانحرافية يمكن أن تطوّق عمليّة الإصلاح بأكثر من أسلوب ، وبأكثر من جوّ ، ولهذا فإن الأنبياء الذين يرسلهم اللَّه إلى بعض الشعوب التي تعيش انحرافا معيّنا ، ينطلقون في توجيههم من التأكيد على القاعدة التي يخضع لها الحل ، لا على ظاهرة الانحراف بشكل مستقل ، كما نلاحظ ذلك في قصة لوط مع قومه ، وفي قصة شعيب مع قومه ، هذه التي نواجهها الآن في حديث هذه الآيات .
وَإِلى مَدْيَنَ أَخاهُمْ شُعَيْباً قالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ
فإن توحيد العبادة للّه ، في ما يوحيه من رفض لكل شريك له ، على مستوي العقيدة أو العبادة ، يوحد الذهنية والموقف والحركة في هذا الاتجاه ، ويحقّق للإنسان المؤمن الانضباط على الخط ، في الدائرة التي يتحرك فيها الإيمان ويطوف فيها وحي اللَّه ، وهذا ما استوحاه شعيب في تركيزه على معالجة الظاهرة من خلال التوحيد ،
وَلا تَنْقُصُوا الْمِكْيالَ وَالْمِيزانَ
فإن اللَّه لا يرضى بذلك ، لأن هذا
من وحي القرآن — صفحة 108 | السيد محمد حسين فضل الله