مسجد ضرار والقيمة الحقيقية للمسجد
إن قيمة المسجد في الإسلام ، في ما يمثّله بناؤه من قيمة روحية ، لا تنطلق من الشكل من حيث هو جهد ماليّ وبدنيّ وعمرانيّ كبير ، بل من المضمون من حيث الدوافع الخيّرة التي تدفع إليه ، والأجواء التي تحيط به ، والنتائج التي تتحقق من خلاله ، وذلك هو مقياس العمل الصالح . فليست القضية قضية حجم العمل وكميته ، بل هي قضية روح العمل ونوعيته . فإن اللَّه قد يتقبل العمل القليل من عبده المؤمن ، إذا كان منبعثا من إخلاص قلبيّ وعبوديّة مخلصة ، ويرفض العمل الكثير إذا كان أساسه الرياء والمباهاة والإضرار بالآخرين . وهذا هو الذي جعل مسجد قبا ، موضع التقدير والاحترام والرعاية من اللَّه ورسوله ، لأنه مسجد أسس على التقوى من أوّل يوم ، لأن الذين شيّدوه ، لم يفكروا فيه إلّا من خلال الشعور بالحاجة إلى وجود مكان يعبد اللَّه فيه ، بعيدا عن أيّ طموح شخصي ، أو فائدة عائليّة ، أو مصلحة ماديّة ، أمّا المسجد الآخر ، وهو مسجد الضرار ، فقد كان يمثّل ردّ الفعل الذاتي للامتياز الذي حقّقه أصحاب مسجد قبا ، من صلاة الرسول فيه واجتماع المسلمين عليه ، واعتباره قاعدة للإسلام في منطقته . وبذلك كان الهدف هو الحصول على امتيازات مماثلة من وحي الأنانية العشائرية أو الشخصية ، ليحطّموا الموقع الذي حصل عليه أولئك ، وليحصلوا على موقع أكبر وأرباح أكثر ، ولذلك واجههم اللَّه والرسول بطريقة حاسمة ، على خلاف الأهداف التي استهدفوها ، وذلك بامتناع النبي عن الصلاة فيه من جهة ، وتهديمه وإحراقه من جهة أخرى ، وما يستتبع ذلك من كشف لنواياهم السيّئة وأفكارهم الخبيثة ، وفضحهم على أكثر من مستوى بين المسلمين .