ولكننا لا نحسب أن المسألة تحتاج إلى مثل هذا التحليل ، أو أنها تتجه هذا الاتجاه في تفسير الآية ، فإن الظاهر منها الدعوة إلى العمل تحت رقابة اللَّه والرسول والمؤمنين ، في ما يمثله ذلك من تعميق الإحساس بالمسؤولية في حركة العمل في نفس الإنسان من خلال وعيه للرقابة الشاملة من جميع الجوانب ، وربما يؤيّد هذا المعنى الفقرة التالية :
وَسَتُرَدُّونَ إِلى عالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ
الذي أحاط بكل شيء علمه ، في ما يخفيه الإنسان أو يظهره
فَيُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ
لأن النبي والمؤمنين إذا رأوا الأعمال ، فإنهم لا يملكون الحكم عليها وعلى أهلها ، فاللَّه هو الحاكم في عملية التقييم ، لأنه المطّلع على خفايا الأمور وبواطنها .
المرجون لأمر الله
وَآخَرُونَ مُرْجَوْنَ لِأَمْرِ اللَّهِ
فلم يحسم أمرهم ، وتركهم لإرادته في يوم القيامة ، فأخّر إعلان الحكم عليهم إلى وقت مّا
إِمَّا يُعَذِّبُهُمْ وَإِمَّا يَتُوبُ عَلَيْهِمْ
لأنهم مارسوا ما قد يستحقون العقاب عليه ، في الوقت الذي يملكون فيه بعض الصفات أو الأفعال التي قد تؤهلهم للمغفرة لهم والتوبة عليهم . وقد قيل إنها نزلت في قوم تخلّفوا عن النبي في غزوة تبوك فلم يخرجوا معه ، ثم ندموا على ذلك ، ولكن سبب النزول - لو صحّت روايته - لا يمثّل حدود الآية في خصوصيته ، بل يمثل المنطلق الذي انطلقت الآية منه لتتسع في كل مورد مماثل
وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ
عندما يعذّب أو يعفو ، فهو يعلم المصلحة هنا أو هناك ويتصرف بالحكمة في هذا أو ذاك .