فَأَخْلَفْتُكُمْ وَما كانَ لِي عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ ما أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ وَما أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ إِنِّي كَفَرْتُ بِما أَشْرَكْتُمُونِ مِنْ قَبْلُ
[ إبراهيم : 22 ] وهكذا نجد هذه الآيات تتحرك في جوّ واحد ، وإن اختلفت أساليبه . وقد ناقشه بعض المفسرين ، فاعتبروا أن ما دلّت عليه الروايات ليس بمستحيل ، فلا مانع من أن يتمثل الشيطان بصورة رجل ليتحدث مع الناس ويتحدّثوا معه من دون أن يبيّن لهم شخصيته . فإذا كان هذا الأمر ممكنا ، فلا من بد أن يحمل ظاهر القرآن عليه ، ولا مانع من ذلك على الأقلّ .
ولكننا نناقش الموضوع من ناحية أخرى غير ناحية الاستبعاد ، لأنها لا تنهض حجة على صرف الآية عن ظاهرها ، وهي أن الآية توحي بأنّ دور الشيطان كان دور التشجيع وحشد القوة في داخلهم ، لأنهم كانوا يعيشون حالة من الخوف والضعف ، ولهذا حاول تقويتهم بقوله :
وَإِنِّي جارٌ لَكُمْ
ليستريحوا إلى جواره وليأمنوا به . ولكن واقع المعركة الذي نعرفه من القرآن ، ومن التاريخ ، ومن طبيعة موازين القوى بين المسلمين والمشركين ، يدلّنا على أن المشركين كانوا لا يشكون ضعفا في العدد والعدة ، فما حاجتهم للتشجيع وللتقوية ؟ ! ثم لو كان الذي تفرضه الرواية صحيحا ، فما دور سراقة ، وما أهميته ليجير قريشا ، فتطمئن له وتعيش الأمن من خلاله ، لأن الشيطان - في مضمون الرواية - لم يكشف لهم عن شخصيته ؟ ! ونحن لا نجد جوابا على هذه التساؤلات . ثم ما معنى أن نفرض على القرآن تفاصيل معينة على أساس روايات غير صحيحة ، لعدم ثبوت وثاقتها ؟ ! ولماذا هذا التساهل في تفسير القرآن ، الذي يمثّل الحقيقة الفاصلة القاطعة ، من خلال ظنون لا تثبت أمام النقد العلمي ؟ ! ولهذا فإننا نتفق مع الذين يستقربون ورود الآية مورد توضيح التصور الشيطانيّ ، الذي يوحي للإنسان بالهلاك في صورة النصر ، ثم يغيّر الصورة في عملية هروب وتراجع ؛ واللَّه العالم .
* * *