تخطي إلى المحتوى الرئيسي

من وحي القرآن — صفحة 397

مساهمون:

ص٣٩٧
لأنكم تملكون من العدد والعدّة ما لا يملكون . فهم في موقع الضعف ، وأنتم في موقع القوّة ، فلا تخافوا من الهزيمة .
وَإِنِّي جارٌ لَكُمْ
أجيركم من كل سوء ، وأمنحكم القوّة عند الضعف ، وأثبتكم عند الاهتزاز .
فَلَمَّا تَراءَتِ الْفِئَتانِ
ووقفتا في موقف المجابهة الحاسم ، وظهرت الغلبة للمسلمين على المشركين ، وبرز الإمداد الإلهي في أكثر من مظهر ،
نَكَصَ عَلى عَقِبَيْهِ
ورجع القهقرى منهزما في عملية تراجعية واضحة ، وفي حركة هروب من المسؤولية ؛ وتخلّى عن كل وعوده .
وَقالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكُمْ
فليست لي علاقة بكم من قريب أو بعيد ، لأن المسألة بالغة التعقيد ، لما تحمله من نتائج المسؤولية .
إِنِّي أَرى ما لا تَرَوْنَ
مما يوحي بالهول والرعب والفزع والهزيمة
إِنِّي أَخافُ اللَّهَ
في عقابه وعذابه .
وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقابِ
. وقد تحدثت الروايات الواردة في أسباب النزول عن تمثّل الشيطان بصورة شخص يدعى سراقة ، وعن حديثه مع قريش في المعركة ، بالطريقة التي تحدّثت بها الآية ، في ما وعدهم به في البداية وما خوّفهم منه في النهاية . وقد أنكرها بعض المفسرين لضعف أسانيد الرواية ، وحمل الآية على التصور الشيطاني الذي كان يسيطر على قريش في ما كان يوسوس لهم من الإحساس بالعظمة والزهو والكبرياء ، والشعور بالقوة المطلقة التي لا غالب لها . . . ثم تتابعت الأحداث لتقلب الوضع رأسا على عقب ، ولتواجههم بالهزيمة التي تتضاءل معها شياطينهم وما توسوس به وتدفع إليه ، تماما كما ورد في الآية الكريمة :
كَمَثَلِ الشَّيْطانِ إِذْ قالَ لِلْإِنْسانِ اكْفُرْ فَلَمَّا كَفَرَ قالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكَ إِنِّي أَخافُ اللَّهَ رَبَّ الْعالَمِينَ
[ الحشر : 16 ] ، فإنّ الظاهر ورودها مورد الحديث عن الطريقة الشيطانية في الإضلال ، حتى إذا وقع الإنسان في الضلال ، ابتعد عنه ، وتركه يواجه المسؤولية بنفسه . وهذا ما عبرت عنه الآية الكريمة في قوله تعالى :
وَقالَ الشَّيْطانُ لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ