تخطي إلى المحتوى الرئيسي

من وحي القرآن — صفحة 96

مساهمون:

ص٩٦
ولهذا ، فإنهم يتخبّطون في ظلمات الشك والجحود ، ولا يهتدون سبيلا ، لأنهم لا يسلكون السبيل الحق في ما منحهم اللَّه من أدوات النظر والمعرفة . أمّا كيف نتصور الصمّ في صفة هؤلاء المكذّبين ؟ إنه في الذهنية المغلقة التي تسيطر على تفكيرهم انطلاقا من خضوعهم للجهات التي يقلّدونها تقليدا أعمى بحيث سيطرت على عقولهم سيطرة مطلقة فعطّلتها عن التفكير ، وللأهواء الضاغطة على أفكارهم بحيث تمنع أفكارهم عن التحرك بحرية ، وعن الانفتاح على الوضوح في الرؤية ، لأن هذه الأهواء تثير الدخان الغريزي الكثيف الذي يحجب عنهم الحق . أما البكم فهم الذين يملكون معرفة الحق في وضوحه ونقائه ، ولكنهم لا يعبّرون عنه بالكلمات الواعية وبالمواقف الناطقة بالحقيقة ، لأنهم خاضعون لمصالحهم وأطماعهم التي تلتقي مع الباطل ، وتبتعد عن الحق ، الأمر الذي يجعلهم في حالة صمت غبيّ كما لو كانوا لا ينطقون . وهؤلاء وأولئك موجودون في كل المجتمعات في كل زمان ومكان في تنوّعات العناصر المختلفة في مذاهبها واتجاهاتها وأوضاعها ومواقعها على صعيد القادة أو القاعدة الشعبية . وهم الذين واجهوا الدعوة الإسلامية منذ انطلاقها في مكة وفي مسيرتها الثانية في المدينة ، فكانوا يتخبّطون في الظلمات في حالة ضلال وانحراف عن الصراط المستقيم .
مَنْ يَشَأِ اللَّهُ يُضْلِلْهُ وَمَنْ يَشَأْ يَجْعَلْهُ عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ
أمّا الحديث عن إضلال اللَّه لمن يشاء هدايته إلى الصراط المستقيم ، فقد ذكرنا أكثر من مرة ، في تفسير أمثال هذه الآيات ، أن المشيئة لا تعني إحداث الضلال والهدى بشكل مباشر ولا اختيار للإنسان فيه ، بل تعني إحداثهما بأسبابهما . وربما يعطي اللَّه السائر في خط الهداية لطفا من ألطافه ، يعينه فيه على مواصلة الطريق ، وقد يمنع السائر في خط الضلال بعضا من رحمته ، عقابا له ، فيضل عن سواء الطريق .