أن عملية الهدى والضلال من اللَّه ، لأنها نسبت حالة انشراح الصدر للإسلام إلى إرادة اللَّه الهداية لهذا الشخص ، فهو الذي يلقي في قلبه الحالة الروحية الفكرية التي يواجه فيها الهداية براحة وطمأنينة ، كما نسبت حالة الضيق والحرج للصدر إلى إرادته الإضلال ، فهو الذي يخلق - في داخله - الأزمة الروحية التي تمنعه من قبول الدعوة الإسلامية .
وقد تتوضح الصورة في معنى هداية اللَّه بطريقة أقرب إلى السنة الإلهية في الهدى والضلال بأن اللَّه يهدي الذين ينفتحون على آفاق الهدى في استعداداتهم الفكرية والروحية بالسعي إليه وإثارة الفكرة نحوه ومتابعة دلائله وبراهينه ، وذلك بأن يوفر لهم الظروف والأسباب والأجواء التي تسرع بهم إلى بلوغ الهدف وهو الوصول إلى الهداية الفكرية والعملية كما توحي به الآية الكريمة :
وَالَّذِينَ جاهَدُوا فِينا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنا
[ العنكبوت : 69 ] ، أمّا الذين يعيشون الغفلة واللامبالاة ، فإن اللَّه يتركهم لأنفسهم ، ويهملهم فلا يمنحهم الأسباب التي ترفع عنهم الغفلة التي اختاروها بسبب سلوكهم اللاهي العابث الذي لا يعيش مسؤولية الفكر والعقيدة والسير إلى اللَّه . ويبقى عنصر الاختيار منفتحا على مواقف الإنسان هنا وهناك في حركته في الطريق الذي يسير فيه ويتحرك في اتجاهاته المستقيمة أو المنحرفة .
ولكن الآية ليست في مجال الحديث عن هذا الموضوع ، بل هي واردة في مقام تصوير الحالة النفسية للإنسان المهتدي ، وللإنسان الضال ، بعيدا عما إذا كان ذلك فعل اللَّه ، أو فعل العبد ، أو فعلهما معا . . هذا مع ملاحظة أخرى ، وهي أن مثل هذه التعابير التي تنسب الإضلال والهداية إلى اللَّه ليست واردة على سبيل الحقيقة ، بل هي واردة على سبيل الإسناد المجازي ، في ما يريد القرآن الكريم أن يوحيه ، في نفس الإنسان من رجوع كل الأفعال إلى اللَّه ، سواء في ذلك الأفعال المباشرة التكوينية كخلق السماوات والأرض وغيرهما ، أم الأفعال غير المباشرة ، كعملية الرزق والموت والحياة والضلال