والهدى مما تتدخل في إرادة الإنسان واختياره في كثير من الحالات ، ومن خلال ما وهبه إياه اللَّه من مفردات القدرة وإمكانات الاختيار . فيمكن نسبة الفعل إلى اللَّه ، لأنه السبب الأول للأشياء ، كما يمكن نسبته إلى الإنسان ، لأنه السبب المباشر لها . وبذلك يكون التعبير بإرادة اللَّه للهدى ، أو إرادته للضلال على أساس ما أودعه في الكون وفي شخصية الإنسان من السنن التي توحي بالضلال تارة ، عندما يبتعد الإنسان باختياره عن وسائل الهدى ، وتوحي بالهدى أخرى ، عندما يقترب الإنسان من عناصر الإيمان .
جعل الرجس على الذين لا يؤمنون
كَذلِكَ يَجْعَلُ اللَّهُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ
والرجس - في المفهوم المادي - هو القذر ، وقد استعاره للقذارة المعنوية المتمثلة في الكفر والضلال ، لما يستتبعه من الإبعاد عن رحمة اللَّه والقرب من عذابه ، تماما كما هو القذر الذي يستدعي الابتعاد عن الشخص الذي يتلطخ به .
وَهذا صِراطُ رَبِّكَ مُسْتَقِيماً
وهو الطريق الذي يضج بالحياة ، ويتفايض بالنور ، وينطلق بالإيمان الذي تلتقي فيه نقطة النهاية بنقطة البداية ، في خطّ واحد ، لا التواء فيه ولا انحراف ، بل هي الاستقامة السائرة أبدا في الفكر والشعور والضمير والعلاقات ، ولن يحتاج الإنسان الذي يسير فيه إلى أيّ شيء آخر مما يفكر به الآخرون ، أو يثيرونه أو يشرّعونه ، لأن اللَّه قد بيّن للمؤمنين كل المفردات التفصيلية لكل ما يحتاجون إليه من شؤون الإنسان العامة والخاصة .
قَدْ فَصَّلْنَا الْآياتِ لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ
فالمهمّ أن لا يعيش الإنسان الغفلة التي تنسيه عقيدته ومفاهيمه وشريعته ، وتوحي له بالحاجة إلى عقيدة الضلال ومفاهيمه وأحكامه لأن الحقيقة بحاجة إلى من يتذكرها ويعيها من أجل أن يعيش معها ، وينتفع بها ، وينمو ويتطور في حياته من خلالها . ولهذا كانت