منطق الكافرين الزائف
وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمانِهِمْ لَئِنْ جاءَتْهُمْ آيَةٌ لَيُؤْمِنُنَّ بِها قُلْ إِنَّمَا الْآياتُ عِنْدَ اللَّهِ
تعكس هذه الآية صورة حيّة من صور أولئك الكافرين الذين رفضوا الإيمان كمبدإ ، ولكنهم ما زالوا يحاولون تسجيل المواقف ضد الرسالة والرسول ، من أجل الإيحاء للبسطاء من النّاس ، بأنّهم ممن يبحثون عن الحقيقة من خلال البحث عن الدليل ، ولذلك فإنهم يقدّمون الاقتراحات التي تطلب من الرسول أن يأتيهم بآية ليؤمنوا بها ، تماما كأيّ إنسان خالص النيّة ، مفتوح العقل ، فليس بينه وبين الإيمان إلّا أن يرى الآية ليؤمن . .
ولكنّ القرآن يطرح القضيّة بكل بساطة ليتساءل
وَما يُشْعِرُكُمْ أَنَّها إِذا جاءَتْ لا يُؤْمِنُونَ
فما هو الأساس في ذلك ، وما هو الضمان ؟ ولماذا يطرح القرآن هذا السؤال ؟ لأن تاريخهم لا يوحي بمثل هذه الجديّة في طلب المعرفة من أجل الإيمان . فهل يملك النبيّ أمر تقديم آية يوميّة ، يغيّر فيها النظام المألوف للكون ، لكل مقترح ؟ وهل كانت المعجزات حاجة شخصية لكل من يطلبها ، أم أن أمر ذلك بيد اللَّه ، فهو الذي يحرّك الآيات ، في حركة النبوّات تبعا لحكمته ؟ ولما ذا يريد هؤلاء الآية ؟ أليؤمنوا ؟ وهل يتوقف الإيمان على ذلك ؟ إن النبي يقدّم لهم في القرآن آية تطرح التحدي ، ويقدّم لهم المنهج العقلي الذي يريد للعقيدة أن تتحرك من مواقع التفكير ، مما لو انطلقوا معه لاستطاعوا أن يصلوا إلى الحقيقة من أقرب طريق ، فلما ذا لم يفكروا في ذلك كله ، ولماذا لم يدخلوا الحوار الهادىء الذي طرحه الرسول أمامهم كوسيلة من وسائل الوصول إلى النتيجة الحاسمة في العقيدة ؟ .
إن ذلك دليل على أنّهم يحاولون القفز على المواقع ، لينقلوا من موقع إلى موقع تبعا للحاجة ، فإذا شعروا بأنهم مكشوفون في موقع حاولوا أن ينتقلوا إلى موقع آخر يختفون وراءه ، ليسجلوا نقطة هنا ونقطة هناك .