تخطي إلى المحتوى الرئيسي

من وحي القرآن — صفحة 209

مساهمون:

ص٢٠٩
هذه العملية التجاريّة حجر عثرة في حركة الرسالة ، في خضوع قضية الانتماء إليها والإيمان بها ، لقوانين العرض والطلب والانفراج أو الانكماش الاقتصادي ، في ما تعيشه حياة الناس من أزمات أو انفراجات . إن اللَّه يريد للرسالة أن تدخل في وعي الناس ، من خلال روحيّة الرسول الذي يعيش العطاء بدون مقابل ليعيش الناس الإحساس بأنها حقّهم كما هي مسئوليتهم ، ولذلك فلن يكون الأجر منهم هو ما يستهدفه الرسول ، بل الإيمان الذي يحقق له محبة اللَّه ورضاه ، ولن تكون قدرتهم على دفع الأجر هي التي تفتح لهم باب الإيمان ، وتدفع الرسول إلى أن يقدم إليهم آياته وبراهينه ، بل قدرتهم على الاستماع والتفكير والحوار والاستعداد للسير في خط الهدى المستقيم . وهذا ما جعل شعار الأنبياء كلهم أمام أممهم
قُلْ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً
لأنهم لا يملكون شيئا مما يقدمونه للناس ، بل هو ملك الناس الذي وهبه اللَّه لهم ، كما وهب لهم الحياة ، والذي أراد لهم من خلاله أن يخرجوا من غفلتهم ويتذكروا دائما كيف يحركون حياتهم في اتجاه اللَّه ، حيث الحق والخير والعدل والإيمان ، فلا حقّ للنبي بالأجر ، في ما أعطاه اللَّه ،
إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرى لِلْعالَمِينَ
. إن هذه الروحيّة التي عاشها أنبياء اللَّه ، هي روحية الرسالة التي تحمل همّ الناس في وعيهم للحقيقة ، وفي انفتاحهم على الحياة ، وفي إخلاصهم للَّه ، مما يدفعها إلى أن تحطّم الحواجز في سبيل ذلك ، وأن تدفع الثمن من جهدها وحياتها ، بعيدا عن كل ما يوحي بالعوض ، أو يثير قضية الأجر . وهذا ما نحتاجه في سلوك العاملين من أجل الرسالة ، ليعيشوا رساليّة العمل ، ولا يغرقوا في تفصيلات المهنة ، فإذا واجهتهم المشاكل بالتحديات ، وقفوا أمامها بوعي الرسالة ، وقوة الإيمان ، وإذا أثقلتهم المسؤوليات ، عاشوا