الإيمان ، ليس سبيل التقليد اللّاواعي ، بل هو سبيل المعاناة الفكرية والروحية التي عاشت الهدى كله للَّه في وعيها للحقيقة المطلقة .
أمّا هم فمشكلتهم أنّهم لم يهتدوا لأنهم عطّلوا إحساسهم عن الالتقاء ببديهيات الأفكار ، وأغلقوا وجدانهم عن الحقيقة القادمة إليهم ببساطة ، وجمّدوا فطرتهم عن الحركة في آفاق الحياة . ولذلك فإن عليهم الرجوع إلى فطرتهم ، ورفع الغشاوة عن بصيرتهم ، والانطلاق إلى الحقيقة بصفاء ، ليجدوا الهدى بانتظارهم في بداية الطريق ، لا في نهايته ، وبذلك يكون قوله :
وَقَدْ هَدانِ
واردا على سبيل الإيحاء بالوضوح الذي يعيشه في مواجهة الضباب الذي يحيط بهم .
أمّا الخوف من الأصنام ، فهو من الأمور التي لم ترد في حسابه ، لأنه يعرف جيّدا طبيعتها الخالية من كل حياة ، أو إحساس ، أو قوّة . .
وَلا أَخافُ ما تُشْرِكُونَ بِهِ
فهي لا تملك لنفسها أيّة قوّة إيجابية أو سلبيّة ، فكيف تملك الإضرار بالآخرين ؟ وهكذا يواجه موضوع التخويف باحتقار واستهانة
إِلَّا أَنْ يَشاءَ رَبِّي شَيْئاً
ولكنه يخاف اللَّه من خلال إدراكه لعظمته المطلقة
وَسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيْءٍ عِلْماً
.
ولهذا أراد أن يوحي بأن هذا الإحساس بالأمن أمام الأصنام وغيرها لا ينطلق من الشعور بالقوّة الذاتية ، بل من الإحساس بالرعاية الإلهية التي تحميه من كل ما يمكن أن يكون مصدرا للضرر ، بشكل واقعي أو افتراضيّ من خلال ما يتوهمه الناس ، فإذا أراد اللَّه الإضرار به من خلال أيّ شيء منها ، فلا مجال للدفاع ، فهو مصدر الأمن عند إحساس الإنسان بالأمن ، وهو مصدر الخوف في ما يمكن أن يكون أساسا للخوف ، لأنه المحيط بكل شيء ، فيعرف منها ما لا نعرف ، فيسلطها على من يشاء ، ويمنعها عمّن يشاء ، وهكذا نجد في هذا الاستثناء ما يشبه الاستثناء المنقطع الذي لا يرتبط