تخطي إلى المحتوى الرئيسي

من وحي القرآن — صفحة 74

مساهمون:

ص٧٤

العدل شعار الإسلام

وفي مطلق الأحوال ، يظل العدل شعار الإسلام في الحياة ، وينطلق القرآن ليؤكد عليه في بناء شخصيّة الإنسان المسلم بمختلف الأساليب ، من أجل إلغاء كل النوازع والأفكار والمشاعر المنحرفة من تكوينه الذاتي ، لئلا تحول بينه وبين الانسجام مع حركة الخط المستقيم في الحياة . وجاءت هذه الآية لتتحدث عن ذلك من بعض جوانبه الحادّة الّتي قد تؤدي بالإنسان إلى الانحراف ، فأطلقت المبدأ الأساس في طبيعة الموقف الّذي ينبغي للمؤمنين أن يقفوه ، فدعتهم إلى أن يكونوا قوّامين للّه بحيث تكون حياتهم كلها قياما له ، وانفتاحا عليه ، والتزاما برضاه ، في كل ما يفكرون به ويتطلعون إليه ويقومون به من أعمال ، ويمارسونه من علاقات ، ويهتمون به من قضايا ومواقف . . فليس هناك مكان في شخصيتهم ، في كل ما يختزنونه من دوافع ويعيشونه من مشاعر وأحاسيس ، لغير اللّه ، وبذلك يصبح الإنسان خاضعا في موقفه في كل العلاقات الإيجابيّة والسلبيّة لرضى اللّه ، وفي ضوء ذلك ، أرادت منهم أن يكونوا
شُهَداءَ بِالْقِسْطِ
- وهو العدل - لأنّ ذلك هو مقياس الارتباط باللّه والابتعاد عن غيره ، لما يستلزمه الارتباط بالحق من رؤية صافية واضحة لا يحول الضباب بينها وبين واقع الأشياء ، فالمؤمن ينظر بنور اللّه الّذي أودعه في قلبه ، ونور اللّه لا يخطئ ولا ينحرف عن خط الحقيقة . وبذلك تكون الشهادة بالقسط حركة الإيمان الواعي في حياة المؤمن ، وبهذه الروح لامكان للعداوة والصداقة في هذا المجال ، فليس للمؤمن أن يفكر بهما في ما ينطلقان فيه من مشاعر ، وما يتحركان به من مواقف ، بل كل فكره - عند أيّة قضية - اللّه والحق ، فهما الهاجس في كل شيء . ويؤكد اللّه هذا الجانب من الموقف في قوله تعالى :
وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ
أي لا يحملنّكم .
من وحي القرآن — صفحة 74 | السيد محمد حسين فضل الله