الآية تثير الانطباع عن بعض الفئات المعقدة الموجودة في أهل الكتاب ، كجزء من الجماعات المنتمية إلى فكر أو جهة ، في موقفها من الجماعات المنتمية إلى فكر آخر أو جهة أخرى . فقد نجد في هذه الفئات الكثير من ألوان التعقيد في مواجهتها للآيات المنزلة على رسول اللّه صلى اللّه عليه واله وسلم وعلى المؤمنين معه ، فهم لا يواجهونها مواجهة الفكر الناقد الذي يتأمل ويفكر وينقد ويثير علامات الاستفهام في ما التبس عليه أمره ، أو ما اتضح له فساده ، وينسجم مع الإيجابيات في ما ثبت له صحته ، بل يواجهونها مواجهة العقدة الّتي ترفض أن تفكر ، وترفض أن تؤمن ، وتتعامل مع الجوانب المشرقة البارزة فيها ، أو البراهين الواضحة لديها ، تعامل الحاقد الذي يبادر إلى الجحود والكفران ، ويعمل على الظهور بمظهر التكبر والطغيان ، كمن يستعرض عضلاته أمام الآخرين ليوحي بالقوّة ، في موقف استعراضي يثير الشكل من أجل أن يعطي الانطباع الخاطئ باتفاقه مع المضمون ، وذلك للإيحاء بأنهم فوق مستوى هذه الآيات في ما يملكونه من فكر ومعرفة ، فلا مجال للتوقف عندها لإثارة الفكر والتأمل ، تماما كما هو الفكر الرفيع الدرجات عند مات يتطلع من فوق إلى الفكر الذي يعيش في الحضيض ، فلا يكلف نفسه الالتفات إليه بالنظرة الخاطفة ، بل يواجهه بالتأمل العميق الهادىء ولكنهم يعلمون من أنفسهم ، أن الأمر ليس كذلك ، وأن وحي اللّه هو فوق كل وحي ، وأن الفكر الذي ينطلق منه ، هو فوق كل فكر من موقع الحجة والبرهان . وفي ضوء هذا التفسير ، يتبين أن نسبة زيادة الطغيان والكفر فيهم إلى الآيات ، ليست بلحاظ ما تحمله هذه الآيات من عوامل ذلك ، بل بلحاظ ما تثيره من ردود فعل داخلية في نفوس هؤلاء من موقع العقدة المستحكمة في داخل ذواتهم
من وحي القرآن — صفحة 275
مساهمون: السيد محمد حسين فضل الله
ص٢٧٥