وفي الحالة الثانية - حالة العلاقة بالذين تركوا هذه الحياة تجاه الذين لا يزالون أحياء من بعدهم - يعيش الإنسان الشعور بامتداد العلاقة الإنسانية بينه وبين أولئك الناس ، لأنه يجدها في كل هذا الإرث الذي بقي له في ما يأكله أو يلبسه أو يسكن فيه أو يستمتع به . وبهذا يشعر كل جيل - في عملية تعاقب الأجيال - بقيمة الجيل السابق بالنسبة إليه ، سواء في ذلك القيمة العلمية والسياسية من خلال ما يتركه له من علم أو من موقع سياسي ؛ أو القيمة المادية من خلال ما يتركه من إرث مادي شخصي أو عام ، وقد يدفع هذا الجو الذاتي الإنسان قبل موته إلى مضاعفة جهوده في الإنتاج ليستطيع ضمان مستقبل هؤلاء الناس الذين يعيشون بعده من أولاده أو من غيرهم ، الأمر الذي يعطي الحياة معنى أسمى ويعمّق التعاطف الداخلي بينه وبينهم ، ليتجاوز حالة الحياة إلى ما بعد الموت ، في عملية لتحريك التاريخ الشخصي في عمق الواقع الإنساني المتحرك .
النقطة الثانية : إن الإرث يعتبر إحدى الوسائل الإسلامية التي أراد منها الإسلام تفتيت الثروة لئلا تتجمع في يد شخص واحد ، خلافا للطريقة المألوفة في الجاهلية عندما كانت تفرض انتقال الثروة للولد الأكبر ، بكل ما فيها من العوامل السلبية ، في ما تمثّله من إفساد وظلم واستغلال للآخرين .
وإذا اقتضت الصدفة أن تنتقل التركة إلى وارث واحد في مرحلة من المراحل ، فإن رحلة الحياة والموت في المراحل الأخرى تتكفل بتوزيعها بين أكثر من شخص ، وهكذا حتى تذوب في نهاية المطاف . ولعل هذا الأسلوب يعطي نوعا من الحيوية في الجانب التبادليّ للقضاء أو السيطرة على تجمّع الثروة في يد إنسان واحد ، والعمل على أن تتحرك لمصالحة الحياة الفرديّة في المجتمع .
من وحي القرآن — صفحة 96
مساهمون: السيد محمد حسين فضل الله
ص٩٦