تخطي إلى المحتوى الرئيسي

من وحي القرآن — صفحة 94

مساهمون:

ص٩٤
الذي يدرس الأمور بطريقة واقعية تملك القدرة على تنفيذه ، في ما تملكه الدولة من إمكانات التخطيط والتنفيذ ، بينما نجد هذا النظام يجعل الأمور في نطاق المسؤوليات الفردية المرتكزة على أساس العلاقات الخاصة ، مما يحدث إرباكا في طريقة التوزيع والتنفيذ ؟ ونجيب عن ذلك أن من أهداف التشريع الإسلامي في الأمور المالية والعبادية والاجتماعية ، هو تربية الإنسان على القيم التي يريد إثارتها في تكوينه الإنساني ؛ الأمر الذي يجعل النتائج التربوية والعملية الحاصلة من قيام الأفراد بمسؤولياتهم تجاه بعضهم البعض بشكل مباشر ، لا تحصل للمجتمع من جعل الأمور كلها بيد الدولة . وقد يكون من بين هذه الأهداف تعميق الروابط الروحية والعملية بين أفراد المجتمع ليبنى المجتمع على أساس ثابت متين . فإذا أعطينا الدولة كل المسؤوليات ، ولم نجعل للأفراد أية مسؤولية تجاه الآخرين ، فإنّ ذلك يسبب التقاء العلاقات كلها بالدولة ، وعدم وجود أساس قويّ لنشوء علاقات متينة بين أفراد المجتمع إلا بشكل جزئي ؛ فلا تبقى هناك بين الأب وأولاده أو بين الزوج وزوجته ، سوى العلاقات العاطفية التي لا يتاح لها الامتداد والعمق ، لفقدان عنصر المسؤولية في ذلك كله ؛ وبهذا يتحول الناس إلى أفراد ترعاهم الدولة أو مجتمع تتحكّم سلطتها في علاقاته ، فتتمثل فيها الأوضاع الرسمية القانونية بعيدا عن الروحية الحقيقة الخالصة ؛ وهذا ما كنا نشاهده في المجتمعات الشيوعية والرأسمالية التي جردت الإنسان من كثير من مسئولياته الفردية تجاه الآخرين ، مما خفف روحه وعاطفته وحوّله إلى مجرد شيء من الأشياء ، ولم تعد العلاقات الإنسانية بالمستوى الذي يعيش فيه الإنسان الشعور العميق بمسؤوليته تجاه الإنسان الآخر ، خارج نطاق المصالح والأطماع الخاصة .
من وحي القرآن — صفحة 94 | السيد محمد حسين فضل الله