التفاصيل ، لأنها لا تمثل شأنا كبيرا من شؤون العقيدة والعمل ، بل كل ما هناك أن اللَّه ساقها في مقام تعداد الانحرافات التي انحراف بها اليهود في إشارات خاطفة . وربما كان تصور البعض منها يحتاج إلى علم من الغيب لا نملكه ولا نملك الحجة عليه ، مما تقوم به الحجة على الناس ؛ وقد يكون في هذا الوقوف عند الأسلوب القرآني ، في ما أجمله وما فصّله ، فائدة كبري في التخلص من كثير من القصص التي دخلها الخيال من قبل الرواة والقصاصين الذين أرادوا إرضاء فضول الناس ، وذلك في الدخول في تفصيل ما أجمله القرآن وما لم يبيّنه لهم ؛ فأدخلنا ذلك في متاهات كبيرة من الأكاذيب والأساطير .
ثم يأتي ختام الآيات ، ليؤكد اللَّه بأن الذين كفروا به من أهل الكتاب سوف يؤمنون به قبل موته
وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ
، وذلك - كما يقول المفسرون - عندما يبعثه اللَّه أو يظهره في آخر الزمان ، فيرونه رأي العين فيواجهون الحقيقة في ظروف لا يمكنهم معها الإنكار ؛
وَيَوْمَ الْقِيامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً
وسوف يكون عليهم شهيدا في يوم القيامة ، كما يشهد كل نبيّ على أمته من الكافرين أو المؤمنين به . وقال البعض : إن الضمير في كلمة ( موته ) يرجع إلى بعض أهل الكتاب الذين كفروا به ، فإنهم سيواجهون قبل موتهم المسيح بالصورة التي تفرض عليهم الإيمان به ؛ ولكن هذا خلاف الظاهر ؛ واللَّه العالم .
وتلك هي الصورة المظلمة التي توضح لنا طبيعة الأخلاق الشريرة التي كانوا يتصفون بها في مواجهتهم للرسل والرسالات ، فلا يتورّعون عن أيّ شيء يقولونه أو يفعلونه ، ويعيشون الزهو بما ينسبونه إلى أنفسهم من الجرائم صدقا أو كذبا ؛ فكيف يمكن للأمة أن تواجههم في صراع الحاضر والمستقبل ؟