تَهْدُوا مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ
، وهذا أسلوب معبّر يوحي بالحسم في مواجهة المسألة ؛ فإذا كان اللَّه قد أضلّهم ، فما ذا يستطيع العبد أن يقوم به في هدايتهم ، وهل يستطيع الإنسان أن يتمرّد على إرادة اللَّه في الناس وفي الأشياء ؟
معنى إضلال اللَّه للمنافقين
وقد يوجه سؤال : ما معنى إضلال اللَّه لهم ، وهل يعني هذا إلغاء إرادتهم في قضية الهدى والضلال ؟ وما معنى العذاب على ما لا اختيار للإنسان فيه ؟
والجواب ؛ أننا أشرنا أكثر من مرة في هذا التفسير إلى الأسلوب القرآني الذي ينسب كل الظواهر في الكون إلى اللَّه ، سواء كانت الظواهر كونية أو إنسانية ، وذلك من خلال علاقتها باللَّه في ما ترتبط به من قانون السببية الذي أودعه في مخلوقاته ، فللضلال أسبابه كما للهدى أسبابه ، وقد جعل اللَّه من أسباب الضلال ، إرادة الإنسان السير في هذا السبيل ، بعد قيام الحجة عليه من اللَّه من جميع الجهات ، مما يجعل من اختياره للضلال أمرا لا مبرر له ؛ وبذلك يكون الضلال حتميا بوجود السبب الداخلي ، وهو الإرادة المنحرفة ، أما علاقة الموضوع باللَّه ، فتتمثل في هذا الربط الذي جعله اللَّه بين الإرادة وحصول المراد ، كأيّة نتيجة وسبب ، ولكن ذلك لا يمنع من أن يكون طرف القضية بيد الإنسان ، هذا من جهة ، وأما من جهة أخرى ، فلأن اللَّه يرفع عن الإنسان رعايته وعنايته التي يمنحها للسائرين في طريق الهدى ، ويكل أمره إلى نفسه ؛ وإذا فقد الإنسان رعاية اللَّه ، كان الضلال أمامه في طريق الحياة ، وفي كلا الحالين ، فإن النسبة لا تمنع من الاختيار ، ولا تمنع بالتالي من المسؤولية التي تستتبع العقاب ، ولكنها تحسم الموقف في اتجاه الحتميّة التي لا تترك مجالا للتجربة .