بالحنفاء ، وبهذا اتخذت كلمة الحنفاء معنى مغايرا للمعنى الحقيقي ، فأصبحت تدل على الاتجاه الباطل الذي يميل فيه الناس عن الحق إلى الباطل باعتبار أن العرب كانوا يلتزمون « الحنيفية الوثنية » ، فجاءت هذه الآية لتنفي هذه النسبة إلى إبراهيم عليه السّلام ، فهو لم يكن يهوديا يحمل خطه انحراف اليهودية ، ولم يكن نصرانيا يلتزم انحراف النصرانية ، ولم يكن مشركا ينسجم مع طريقة أهل الشرك في عبادة الأصنام بحجة أنها تقربهم إلى اللّه زلفى ، بل كان حنيفا بالمعنى الأصيل لهذه الكلمة التي تعني في كلّ مضمونها الاستقامة على طريق الحق في العقيدة ، والعمل بالميل عن خط الانحراف إلى خط الاستقامة ، وكان مسلما بالمعنى الشامل للإسلام الذي يعني إسلام الفكر والقلب والحركة والحياة للّه في كل أموره . . . وهو الخط التوحيدي في العقيدة والعبادة والطاعة الذي يمثل إبراهيم عليه السّلام عنوانه في كل كلماته ومواقفه ومنطلقاته .
الاتباع يحدد العلاقة
إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْراهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ
. ثم يطرح اللّه سبحانه علاقة إبراهيم بالناس وعلاقة الناس به ، فليست العلاقة بأصحاب الرسالة علاقة نسب تمنح الآخرين أولويّة به ، وتعطيهم امتيازا على بقية النّاس في رابطة القرب به ، لأن هؤلاء العظماء يفقدون خصوصياتهم باندماجهم بالقضايا العامة ، فتتحول علاقتهم بالآخرين إلى علاقة رسالة وفكر وعمل ، ويتحوّل الانتماء إليهم إلى الانتماء لما يمثلونه من رسالة الفكر والعمل ، لأنها أصبحت كل حياتهم . وفي ضوء ذلك ، يقرر اللّه لأهل الكتاب القول الفصل في خط هذه الحقيقة ، فليس أولى النّاس بإبراهيم عليه السّلام هم الذين ينتمون إليه بالنسب ، بل هم الذين ينتمون إليه في العقيدة والعمل من الذين اتبعوه في حياته وبعد مماته ،
وَهذَا النَّبِيُّ
الذي يحمل رسالة الإسلام التي أوحى بها اللّه إليه سائر على الخط نفسه