جوانب الضعف ، ليعيش الإنسان الشعور بواقعية الضعف في حياتهم كشيء طبيعي جدا . فإذا رأوا جانب القوّة لديهم ، نظروا إليه نظرة متوازنة تثير المقارنة بين الحالتين ، فتتوازن من خلال ذلك النظرة والتصرف والعلاقة والاتباع ، وذلك كما في قوله تعالى :
إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُباباً وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبابُ شَيْئاً لا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ
. [ الحج : 73 ] .
فإن الآية تواجه هؤلاء الذين يعتقد الناس أنهم آلهة معبودون من دون اللّه في ما يثيره ذلك التصور من قوّتهم وضخامة شخصيتهم ، فتضع أمامهم شخصية الذباب في ضآلته وحقارته ، ثم توحي بأن هؤلاء الكبار الضخام الذين قد يشيّدون القصور الكبيرة والقلاع المحصّنة ، لا يستطيعون خلق الذباب ولو اجتمعوا له وبذلوا طاقاتهم فيه ، لأنهم لا يملكون القدرة على الخلق حتى في أشدّ الأشياء حقارة ، فتتضاءل الصورة وتتصاغر ، ويتعمق الشعور بأن قضية القوة الإلهية لا تكمن في القدرة على إعلاء البناء فقط ، بل تتمثل أيضا في إبداع الروح في الأشياء مهما كانت حقيرة ، لأن ذلك هو الشيء الذي يميّز الخالق عن المخلوق .
وتتصاعد الفكرة في اتجاه جديد ، فهذه الذبابة الصغيرة الحقيرة تملك من القدرة على أن تسلبهم بعض الأشياء من قوتهم وصحتهم ، فلا يستطيعون إرجاع ذلك منها ولا يملكون استنقاذه ، فأيّ ضعف هو هذا الضعف الذي يتمثل في هؤلاء الأقوياء الذين إذا ملكوا القوّة في جانب ، فإن أكثر من جانب من جوانب الضعف يتمثل في جانب آخر ، وتلك هي القصة في الأشياء التي يتمثل فيها الضعف من جهة وتتحرك فيها القوة من جهة أخرى ، لتتوازن النظرة في الإنسان ، فلا يصعد إلى ما لا يبلغه من الدرجة لدى نفسه ولدي الآخرين .