المسير ، ليأخذوا لأنفسهم ولمن يتعلق بهم الأمن والراحة والطمأنينة ، في الوقت الذي تهتز فيه الساحة أمام التحدّيات الكافرة والضالّة . . . إننا ندعوهم إلى أن يقرءوا هذه الآيات بوعي وتأمل ، ليعرفوا - جيدا - أن هؤلاء الذين استجابوا لداعية الإيمان فآمنوا ، لم يأخذوا الإيمان في كسل واسترخاء ، بل انطلقوا فيه رسالة وجهادا ومعاناة ومواجهة قوية لكل الضغوط والتحديات الطاغية ، فأوذوا في سبيل اللّه ولم يسقطوا تحت تأثير الأذى ، وأخرجوا من ديارهم وهاجروا من دون أن يتعقّدوا من الجهاد وخطواته ونتائجه . . .
ولهذا كانت الجنة ثمنا لكل هذا الجهد ولكل هذا الجهاد ، وكانت دعواتهم المتصاعدة من قلوبهم تمثل دعوات المجاهدين الذين يخافون على جهادهم أن يضعف ويهتز وينحرف أمام بعض الخطايا التي يرتكبونها من دون قصد ، ويخشون على علاقتهم باللّه أن تنقطع من خلال الأوضاع التي تحيط بهم فتبعدهم عن اللّه وتنسيهم ذكره . . . ولهذا يشعر الإنسان بنبض القلوب يتحرك في كل كلمة من هذه الكلمات ، حتى كأن قلوبهم تحوّلت إلى دعوات وكلمات ، وليست كالدعوات التي تنطلق من قلوب هادئة بعيدة عن جوّ المعاناة ، حيث يتمثل الإيمان فيها كما لو كان ترف فكر لا كخفقة روح وشعور . إن هناك فرقا بين أن تدعو اللّه من موقع المعاناة في سبيله ، وبين أن تدعوه من موقع المعاناة في سبيل ذاتك ، وذلك هو الفرق بين الذين يعيشون الإسلام فكرا واسترخاء وبين الذين يعيشونه جهادا وعملا وموقف حياة .
من وحي القرآن — صفحة 460
مساهمون: السيد محمد حسين فضل الله
ص٤٦٠