تخطي إلى المحتوى الرئيسي

من وحي القرآن — صفحة 464

مساهمون:

ص٤٦٤

صورة الكافرين في القرآن

وتنطلق هذه الآية في هذا الاتجاه .
لا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلادِ
فقد يخضع الإنسان للشعور بالانسحاق أمام القوّة الكبيرة المتمثلة في حركة الكافرين ، عندما يفتحون بلدا أو يحكمون آخر ويسيطرون على شعب من الشعوب ، وقد يغرّه ذلك ، فيمتد معهم في ما لا يستحقونه ، ويستسلمون له استسلام الأمل الكبير للفرص الخالدة الممتدة المتعاظمة أمامهم ، التي توحي إليهم بالكثير من الأطماع والشهوات ، فيستريحون إلى ذلك كله في ما ينتظرهم من مستقبل الأيّام الطويلة . . . ولكن القرآن يريد أن يربطهم بواقع الأشياء ويبعدهم عن الأجواء الخياليّة المتحركة بالأحلام الضبابيّة ؛ فلكل واحد منهم عمر محدود وطاقة محدودة ، ولكلّ واحد منهم نقاط ضعف في ذاته وفي حكمه . إنهم مجرد مرحلة في حياة الأمة ، قد تتسع وقد تضيق ، وقد تمتد وقد تنكمش . . . ولكنها سوف تنتهي في وقت قصير
مَتاعٌ قَلِيلٌ
. وماذا بعد ذلك ؟ ما قيمة ذلك كله ؟ إن العاقبة الوخيمة تنتظرهم هناك عندما يفارقون هذه الدنيا ، فسيفقدون كل هذه العظمة الفارغة ويتحوّلون إلى غذاء شهيّ للنار ، تماما كما هي الأخشاب والهشيم . . .
ثُمَّ مَأْواهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهادُ
فذلك هو مأواهم ومصيرهم السيّئ وبئس المهاد . إنه الدور النفسي الذي يستهدف تفريغ داخل الإنسان من التأثيرات النفسية المنبهرة بمظاهر العظمة المحيطة بهم ، فما قيمة ذلك كله في نطاق إدراكنا بأن هؤلاء الكافرين يعيشون الحياة كمتاع ؟ مجرّد متاع ؟ فقد لا يكون لهذه النظرة السلبية في داخلنا ضدهم تأثير على القوى الطاغية والباغية بشكل فوري حاسم ، ولكنه يترك الأثر الإيجابي للمستقبل ، لأن الصّراع بين المستكبرين والمستضعفين ، في حركة الصراع بين القوة والضعف ، لا تحكمه القوى الماديّة فقط ، بل تتدخل فيه القوى النفسية . فإن هناك عنصرين يساهمان في هزيمة الضعفاء أمام الأقوياء وهما : عنصر
من وحي القرآن — صفحة 464 | السيد محمد حسين فضل الله