تخطي إلى المحتوى الرئيسي

من وحي القرآن — صفحة 459

مساهمون:

ص٤٥٩
في الإسلام ، فهي شخصية الإنسان الواعي المفكّر الذي يحرّك طاقته الفكرية في سبيل الوصول إلى قناعاته الإيمانيّة من وحي التفكير والمعاناة والتجربة والملاحظة ، فلا يعتقد بشيء إلا على أساس ذلك . وعندما نلتقي بشخصية الإنسان المفّكر في المؤمن في خط العقيدة ، فإنّ من الطبيعي أن نلتقي بها في خط الحياة ، فلا ينطلق مع أحداثها إلّا في خطّ الفكر والتجربة ، لأن ملامح الشخصية لا تتعدد في مضمون الأشياء . فإذا كان الإنسان عاطفيا في جانب ، فإنه يتحرك عاطفيا في بقيّة الجوانب ؛ وهكذا تكون القضية في خط الفكر في الحياة . ولكن شخصية المفكر لا تلغي شخصية الإنسان الروحاني الذي يعيش الروحيّة العميقة تجاه اللّه ، من خلال ما يعيش من مشاعر روحيّة ، لأن الفكر لا يتحرّك من مواقع الجفاف النفسي ، بل ينطلق من أعماق الينابيع المتدفقة في الحياة في ما تشتمل عليه من أفكار ومشاعر . . . ولهذا نجد الانطلاقة الروحيّة في هذه الآيات في حركة الانطلاقة الفكريّة في هذه المناجاة الخاشعة التي تلتقي باللّه في مغفرته ورضوانه ورحمته لعباده المؤمنين ، ليبقى الإنسان منسجما مع إيمانه في روحيّة اللقاء باللّه والسعي لرضاه ، باعتباره هدف الحياة الكبير ، كما يعيش الانسجام معه في فكره العميق الذي يطرد من حوله الشكوك والشبهات ويركزّ الخطة الواحدة لحياته من خلاله . 2 - وقد نستوحي من هذه الآيات ، أن قضية الجنة تلتقي - في حركة الإنسان المؤمن في الحياة - بالجانب الجهادي الذي يعيش فيه المعاناة نتيجة ما يتعرض له من اضطهاد وما يتحمله من أذى ، وما يضطر إليه من الوقوع تحت ضغط القوى الغاشمة التي تخرجه من داره وموطنه وتدفعه إلى الهجرة قسرا من خلال الضغوط القاسية التي تمارسها ضدّه ، وذلك كله من أجل اللّه ، وابتغاء للحصول على رضوانه . ومن خلال ذلك ، ندعو أولئك الذين يعيشون الحياة في استرخاء ، ويعتبرون الجنة ملتقّى للعابدين الذين يغرقون كل همومهم وآلامهم وتطلعاتهم في العبادة ، وينعزلون عن الحياة في عمليّة هروب دائمة من التعرّض للخطر في