يتوجوه ويعصبوه بالعصابة ، فلما رد اللّه ذلك بالحق الذي أعطاك شرق بذلك ، فذلك فعل به ما رأيت ، فعفا عنه رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلم فأنزل اللّه تعالى :
وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذىً كَثِيراً
الآية « 1 »
. وقد نلاحظ على هاتين الروايتين أن الواقع الذي عاشه النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلم والمسلمون معه كان واقع البلاء الشديد في أنفسهم وأموالهم على مستوى التهديد المتنوع بالقتل والتشريد والتعذيب في مكة ، بحيث إن المسألة لم تكن مفاجئة لهم ، ولذلك فقد كانت المعاناة هي ما كانوا ينتظرونه في مستقبل الدعوة بما عاشوه في ماضيها وحاضرها ، الأمر الذي لا يجعل لأيّة حادثة مماثلة لمثل هاتين الحادثتين أن تهزّ واقع النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلم والمسلمين ، وتثقل حركتهم ، وتدفع بهم إلى الاستنفار الشعوري لتنزل الآية في تأكيد على خط المعاناة وتوجيه إلى مواجهتها بالتقوى والصبر ، ليكون ذلك موقف عزم إنساني حازم .
إننا لا نريد نفي العلاقة بين هاتين الحادثتين أو إحداهما وبين الآية ، بل نريد أن نسجّل ملاحظة استفهامية حول ذلك من حيث تاريخ النزول ، مما يرجح أن تكون من الآيات المتحركة في خط التوعية العامة للمسيرة الإسلامية في حركة النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلم والمسلمين في مواجهة التحديات المضادة من قبل المشركين وأهل الكتاب ، لا سيما اليهود ، الذين يقفون ضد الرسالة من أجل إسقاطها أو إضعافها ، وذلك من خلال الرفض النفسي والفكري والعملي للدعوة ، بحيث يمارسون كل الأساليب الضاغطة والمتعسفة والمؤذية ضد الإسلام والمسلمين ، ولكن ذلك كله لا يحقق أيّ شيء من أهدافهم إذا كان الصبر على المرحلة الصعبة هو الطابع الحركي للمسلمين ، وإذا كانت التقوى التي تدرس كل خطوات الحركة وكل ظروف المرحلة وكل مفردات القضية بمسؤولية المسلم التقي الذي يتحرك من خلال أوامر اللّه ونواهيه في حركة الوجود والعدم ،
هامش
( 1 ) أسباب النزول ، ص : 75 - 76 .