تخطي إلى المحتوى الرئيسي

من وحي القرآن — صفحة 383

مساهمون:

ص٣٨٣
من سعادة الإنسان التي يقدّر نفسه واجدة لها ، وكذا الحزن إنما يكون من جهة أمر واقع يوجب ذلك ، فالبلية أو كل محذور إنما يخاف منها إذا لم تقع بعد ، فإذا وقعت زال الخوف وعرض الحزن ، فلا خوف بعد الوقوع ولا حزن قبله . فارتفاع مطلق الخوف عن الإنسان إنما يكون إذا لم يكن ما عنده من وجوه النعم في معرض الزوال ، وارتفاع مطلق الحزن إنما يتسير له إذا لم يفقد شيئا من أنواع سعادته لا ابتداء ولا بعد الوجدان ، فرفعه تعالى مطلق الخوف والحزن عن الإنسان ، معناه : أن يفيض عليه كل ما يمكنه أن يتنعم به ويستلذه ، وأن لا يكون ذلك في معرض الزوال ، وهذا هو خلود السعادة للإنسان وخلوده فيها . ومن هنا يتضح أن نفي الخوف والحزن هو بعينه ارتزاق الإنسان عند اللّه ، فهو سبحانه يقول :
وَما عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ
[ آل عمران : 198 ] ؛ ويقول :
وَما عِنْدَ اللَّهِ باقٍ
[ النحل : 96 ] فالآيتان تدلّان على أن ما عند اللّه نعمة باقية لا يشوبها نقمة ولا يعرضها فناء . ويتضح أيضا أن نفيهما هو بعينه إثبات النعمة والفضل ، وهو العطية ، لكن تقدم في أوائل الكتاب وسيجيء في قوله تعالى :
مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ
[ النساء : 69 ] أن النعمة إذا أطلقت في عرف القرآن فهي الولاية الإلهية ، وعلى ذلك فالمعنى : أن اللّه يتولّى أمرهم ويخصّهم بعطيّة منه » « 1 » . . . . وتتفايض البشرى وتنساب حياة وفرحا وسرورا في نفوسهم ، فهم
يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ
وقد أجمل اللّه النعمة والفضل ليوحي بالتصور المطلق الذي يلتقي فيه الإنسان بما شاء له التصوّر من آفاق واسعة شاملة لا يصل إليه الخيال . . . ويشعرون بالحقيقة التي كانت تحملها لهم رسالات السماء في ما تحمله للمؤمنين من الوعد بالثواب الجزيل عند اللّه ، وهي
وَأَنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ
وها هم يرونها رأي العين في ما يرونهم من نعيم ، وفي ما يفيض عليهم من رحمة ولطف ورضوان .
هامش
( 1 ) تفسير الميزان ، ج : 4 ، ص : 63 - 64 .