وتتحرك الصورة في وعينا الإيماني من خلال القرآن الكريم ، لتقدم لنا الشهداء الذين جاهدوا في سبيل اللّه بالصورة المشرقة ، التي تملأ الروح بالفرح الكبير الذي يوحي بالشعور العميق بالسعادة الروحيّة ، بدلا من الصورة الظاهرية القاتمة :
وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْواتاً بَلْ أَحْياءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ
فهم عند اللّه أحياء ، تضج الحياة في داخلهم ، وتشرق في عيونهم ، وتتحرك في مظاهر الحياة لديهم . . . وتلك هي الحياة التي لا يشوبها الكدر والألم في ما يعيشه الناس في هذه الدنيا ،
فَرِحِينَ بِما آتاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ
فهم يعيشون الفرح الروحي ، في ما أتاهم اللّه من فضله ولطفه ورحمته ، وذلك هو الفرح الحقيقي الذي يحس الإنسان معه بالسعادة المطلقة التي لا تعكّر صفوها أيّة شائبة ، مما كان يجده الفرحون في الدنيا الذين يفرحون لشهوة أو لذّة أو انتصار طارئ في الأجواء التي تمزج ذلك كله بالحسرة والألم من جهات أخرى :
وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ
ويمنحهم اللّه البشرى بأولئك الذين تركوهم من خلفهم في الحياة لما يريهم اللّه من نعمته عليهم ولطفه بهم فيرتاحون لذلك .
ثمّ يعطينا الجوّ الذي يعيشه هؤلاء عند اللّه ، فهم يعيشون الأمن من الخوف ، لأن الخوف لا يكون إلّا من خلال حالة صعبة مترقّبة ، يواجه فيها الإنسان الألم والشقاء ، وليس عند اللّه للمؤمنين إلا الفرح والسعادة ، ويعيشون الأمن من الحزن الذي لا ينطلق إلا من حالة صعبة يحس الإنسان بالأسف عليها فيحزن ، وليس في حياة المؤمن في الدار الآخرة أيّ شيء أو أيّة خسارة يأسف عليها . فما معنى الخوف والحزن بعد ذلك ؟ ! وقد جاء في تفسير الميزان ملاحظة دقيقة في استيحاء قوله تعالى :
أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ
قال : « وهذه الجملة ، أعني قوله :
أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ
، كلمة عجيبة كلّما أمعنت في تدبّرها زاد في اتساع معناها على لطف ورقة وسهولة بيان ، وأوّل ما يلوح من معناها أن الخوف والحزن مرفوعان عنهم ، والخوف إنما يكون من أمر ممكن محتمل يوجب انتفاء شيء